فهرس الكتاب

الصفحة 1812 من 3657

ثم روى البيهقي بسنده عن المغيرة بن شعبة قال: إن أول يوم عرفت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أمشي أنا وأبو جهل بن هشام في بعض أزقة مكة إذ لقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي جهل: (يا أبا الحكم هلم إلى الله وإلى رسوله أدعوك إلى الله) . فقال أبو جهل: يا محمد هل أنت منته عن سب آلهتنا؟ هل تريد إلا أن نشهد أنك قد بلغت؟ فنحن نشهد أن قد بلغت فو الله لو أني أعلم أن ما تقول حق لاتبعتك. فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل علي فقال: والله إني لأعلم أن ما يقول حق ولكن يمنعني شيء إن بني قصي قالوا: فينا الحجابة. فقلنا: نعم. ثم قالوا: فينا السقاية. فقلنا: نعم. ثم قالوا: فينا الندوة. فقلنا: نعم. ثم قالوا: فينا اللواء. فقلنا: نعم. ثم أطعموا وأطعمنا حتى إذا تحاكت الركب قالوا: منا نبي والله لا أفعل. وهذا القول منه - لعنه الله - كما قال تعالى مخبرا عنه وعن أضرابه: (وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً * إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً) (الفرقان 41- 42) .

-وفي حديث إسلام أبي ذر ووَصَف أخاه أنيساً، فقال: والله ما سمعت بأشعر من أخي أنيس، لقد ناقض اثني عشر شاعراً في الجاهلية، أنا أحدهم، وإنه انطلق إلى مكة، وجاء إ لى أبي ذر بخبر النبي صلى الله عليه وسلم. قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون: شاعر: كاهن، ساحر، لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعته على أقراء الشعر فلم يلتئم، وما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر، وإنه لصادق، وإنهم لكاذبون. -والأخبار في هذا صحيحة كثيرة.

قلت:

حديث إسلام أبي ذر رضي الله عنه رواه مسلم،وأحمد، والبيهقي، وهو في صحيح مسلم- كتاب فضائل الصحابة-

حدثنا هداب بن خالد الأزدي. حدثنا سليمان بن المغيرة. أخبرنا حميد بن هلال عن عبد الله بن الصامت. قال: قال أبو ذر: خرجنا من قومنا غفار. وكانوا يحلون الشهر الحرام. فخرجت أنا وأخي أنيس وأمنا. فنزلنا على خال لنا. فأكرمنا خالنا وأحسن إلينا. فحسدنا قومه فقالوا: إنك إذا خرجت عن أهلك خالف إليهم أنيس. فجاء خالنا فنثا علينا الذي قيل له. فقلت: أما ما مضى من معروفك فقد كدرته، ولا جماع لك فيما بعد. فقربنا صرمتنا. فاحتملنا عليها. وتغطى خالنا ثوبه فجعل يبكي. فانطلقنا حتى نزلنا بحضرة مكة. فنافر أنيس عن صرمتنا وعن مثلها. فأتيا الكاهن. فخير أنيسا. فأتانا أنيس بصرمتنا ومثلها معها.قال: وقد صليت، يا ابن أخي! قبل أن ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين. قلت: لمن؟ قال: لله. قلت: فأين توجه؟ قال: أتوجه حيث يوجهني ربي. أصلي عشاء حتى إذا كان من آخر الليل ألقيت كأني خفاء. حتى تعلوني الشمس.

فقال أنيس: إن لي حاجة بمكة فاكفني. فانطلق أنيس حتى أتى مكة. فراث علي. ثم جاء فقلت: ما صنعت؟ قال: لقيت رجلا بمكة على دينك. يزعم أن الله أرسله. قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون: شاعر، كاهن، ساحر. وكان أنيس أحد الشعراء.

قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة. فما هو بقولهم. ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر. فما يلتئم على لسان أحد بعدي؛ أنه شعر. والله! إنه لصادق. وإنهم لكاذبون... (الحديث)

-والإعجاز بكل واحد من النوعين: الإيجاز والبلاغة بذاتها، أو الأسلوب الغريب بذاته، كل واحد منهما نوع إعجازه على التحقيق، لم تقدر العرب على الإتيان بواحد منهما، إذا كل واحد خارج عن قدرتها، مباين لفصاحتها و كلامها، وإلى هذا ذهب غير واحد من أئمة المحققين.

و ذهب بعض المحققين المقتدى بهم إلى أن الإعجاز في مجموع البلاغة والأسلوب، وأتى على ذلك بقول تمجه الأسماع، وتنفر منه القلوب. والصحيح ما قدمناه، و العلم بهذا كله ضرورة قطعاً.

ومن تفنن في علوم البلاغة، وأرهف خاطره ولسانه أدب هذه الصناعة لم يخف عليه ما قلناه.

-وقد اختلف أئمة أهل السنة في وجه عجزهم عنه، فأكثرهم يقول: إنه ما جمع في قوة جزالته، ونصاعة ألفاظه، وحسن نظمه، وإيجازه، وبديع تأليفه وأسلوبه لا يصح أن يكون في مقدور البشر، وأنه من باب الخوارق الممتنعة عن إقدار الخلق عليها، كإحياء الموتى، وقلب العصا، وتسبيح الحصى.

وذهب الشيخ أبو الحسن إلى أن مما يمكن أن يدخل مثله تحت مقدور البشر، ويقدرهم الله عليه، ولكنه لم يكن هذا ولا يكون، فمنعَهم اللهُ هذا، و عجَّزهم عنه.

-وقال به جماعة من أصحابه.

-وعلى الطريقين فعجز العرب عنه ثابت، وإقامة الحجة عليهم بما يصح أن يكون في مقدور البشر، وتحديهم بأن يأتوا بمثله قاطع، وهو أبلغ في التعجيز، وأحرى بالتقريع، والاحتجاج بمجيء بشر مثلهم بشيء ليس من قدرة البشر لازم، وهو أبهر آية، وأقمع دلالة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت