وعلى كل حال فما أتوا في ذلك بمقال، بل صبروا على الجلاء، والقتل، وتجرعوا كاسات الصَّغار والذل، وكانوا من شموخ الآنف، وإباية الضيم، بحيث لا يؤثرون ذلك اختياراً، ولا يرضونه إلا اضطراراً، وإلا فالمعارضة لو كانت من قدرهم، الشغل بها أهون عليهم وأسرع بالنجح وقطع العذر وإفحام الخصم لديهم، وهم ممن لهم قدرة على الكلام، وقدوة في المعرفة به لجميع الأنام، وما منهم إلا من جهد جهده، واستنفد ما عنده في إخفاء ظهوره، وإطفاء نوره، فما جلوا في ذلك خبيئةً من بنات شفاههم، ولا أتوا بنطفة من معين مياههم، مع طول الأمد، و كثرة العدد، وتظاهر الوالد وما ولد، بل أبلسوا فما نبسوا، ومنعوا فانقطعوا، فهذان نوعان من إعجازه.
الفصل الخامس
في إعجاز القرآن:
الوجه الثالث: ما انطوى عليه من الإخبار بالمغيبات
-الوجه الثالث من الإعجاز ما انطوى عليه من الإخبار بالمغيبات، وما لم يكن ولم يقع، فوجد، كما ورد وعلى الوجه الذي أخبر به، كقوله تعالى: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ) (الفتح 27)
وقوله تعالى: (وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ) (الروم: 3) .
وقوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة: 33)
وقوله تعالى: (( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور: 55)
-وقوله تعالى: (إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ(1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً (3) - (النصر)
فكان جميع هذا، كما قال...فغلبت الروم فارس في بضع سنين، ودخل الناس في الإسلام أفواجاً، فما مات صلى الله عليه وسلم وفي بلاد العرب كلها موضع لم يدخله الإسلام.واستخلف الله المؤمنين في الأرض، ومكَّن فيها دينهم، و ملكهم إياها من أقصى المشارق إلى أقصى المغارب، كما قال صلى الله عليه وسلم:"زويت إلى الأرض، فأريت مشارقها و مغاربها، و سيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها."
قلت: أخرج هذا الحديث ابن ماجه في السنن؛ والألباني في صحيح السيرة، ولفظه:
"زويت لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها وأعطيت الكنزين الأصفر أو الأحمر والأبيض، (يعني الذهب والفضة) وقيل لي إن ملكك إلى حيث زوي لك.. وإني سألت الله عز وجل ثلاثا: أن لا يسلط على أمتي جوعا فيهلكهم به عامة، وأن لا يلبسهم شيعا ويذيق بعضهم بأس بعض، وإنه قيل لي إذا قضيت قضاء فلا مرد له وإني لن أسلط على أمتك جوعا فيهلكهم فيه ولن أجمع عليهم من بين أقطارها حتى يفني بعضهم بعضا ويقتل بعضهم بعضا وإذا وضع السيف في أمتي فلن يرفع عنهم إلى يوم القيامة.. وإن مما أتخوف على أمتي أئمة مضلين.. وستعبد قبائل من أمتي الأوثان، وستلحق قبائل من أمتي بالمشركين.. وإن بين يدي الساعة دجالين كذابين قريبا من ثلاثين كلهم يزعم أنه نبي، ولن تزال طائفة من أمتي على الحق منصورين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله عز وجل".. قال أبو الحسن لما فرغ أبو عبد الله من هذا الحديث قال ما أهوله..
قال الشيخ الألباني: صحيح.. سند الحديث: حدثنا هشام بن عمار ثنا محمد بن شعيب بن شابور ثنا سعيد بن بشير عن قتادة أنه حدثهم عن أبي قلابة الجرمي عبد الله بن زيد عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:... (الحديث) .
-وقوله: (( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: 9) ، فكان كذلك، لا يكاد يعد من سعى في تغييره وتبديل محكمه من الملحدة والمعطلة، لا سيما القرامطة، فأجمعوا كيدهم وحولهم وقوتهم، اليوم نيفاً على خمسمائة عام، فما قدروا على إطفاء شيء من نوره، ولا تغيير كلمة من كلامه، ولا تشكيك المسلمين في حرف من حروفه، و الحمد لله.
ومنه قوله: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) (القمر: 45)
-وقوله: (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ) (التوبة 14)
وقوله: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة 33)
وقوله: (لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ) (آل عمران: 111) .