فهرس الكتاب

الصفحة 1822 من 3657

-وسائر معجزات الأنبياء انقضت بانقضاء أوقاتها، فلم يبق إلا خبرها، والقرآن العزيز، الباهرة آياته، الظاهرة معجزاته على ما كان عليه اليوم ـ مدة خمسمائة عام و خمس و ثلاثين سنةً لأول نزوله إلى وقتنا هذا ـ حجته قاهرة، ومعارضته ممتنعة، والأعصار كلها طافحة بأهل البيان، وحملة علم اللسان، وأئمة البلاغة، وفرسان الكلام، وجهابذة البراعة، والملحد فيهم كثير، والمعادي للشرع عتيد،فما منهم من أتى بشيء يؤثر في معارضته، ولا ألف كلمتين في مناقضته، ولا قدر فيه على مطعن صحيح، ولا قدح المتكلف من ذهنه في ذلك إلا بزند شحيح، بل المأثور عن كل من رام ذلك إلقاؤه في العجز بيديه والنكوص على عقبيه.

الفصل العاشر:

في وجوه أخرى للإعجاز

وقد عدَّ جماعةٌ من الأمة ومقلدي الأمة في إعجازه وجوهاً كثيرةً، منها أن قارئه لا يمله، وسامعه لا يمجه، بل الانكباب على تلاوته يزيد حلاوةً، وترديده يوجب له محبةً، لا يزال غضاً طرياً، وغيره من الكلام ـ و لو بلغ في الحسن والبلاغة مبلغه ـ يمل مع الترديد، ويعادى إذا أعيد، وكتابنا يستلذ به في الخلوات، ويونس بتلاوته في الأزمات، وسواه من الكتب لا يوجد فيها ذلك، حتى أحدث أصحابها لحوناً وطرقاً يستجلبون بتلك اللحون تنشيطهم على قراء تها.

ولهذا وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن بأنه لا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عبره، ولا تفنى عجائبه، هو الفصل ليس بالهزل، لا يشبع منه العلماء، ولا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، هو الذي لم تنته الجن حين سمعته أن قالوا: ( إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً*) الجن 1، 2 ).

قلت: الحديث رواه الترمذي ؛ولفظه:

مررت في المسجد فإذا الناس يخوضون في الأحاديث، فدخلت على علي، فقلت: يا أمير المؤمنين، ألا ترى أن الناس قد خاضوا في الأحاديث. قال: وقد فعلوها؟ قلت: نعم. قال: أما إني قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ألا إنها ستكون فتنة... فقلت: ما المخرج منها، يا رسول الله؟ قال: كتاب الله فيه نبأ ما كان قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل.. من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين،وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء،ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه... هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا {إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد} ..من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم...

خذها إليك يا أعور.

قال أبو عيسى هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه وإسناده مجهول، وفي الحرث مقال.

وقال الألباني: (ضعيف) .

ومنها جمعه لعلوم ومعارف لم تعهد العرب عامةً ولا محمد صلى الله عليه وسلم قبل نبوته خاصة، بمعرفتها، ولا القيام بها، ولا يحيط بها أحد من علماء الأمم، ولا يشتمل عليها كتاب من كتبهم، فجمع فيه من بيان علم الشرائع، والتنبيه على طرق الحجج العقليات، والرد على فرق الأمم، ببراهين قوية، وأدلة بينة سهلة الألفاظ، موجزة المقاصد، رام المتخذلقون بعد ـ أن ينصبوا أدلةً مثلها فلم يقدروا عليها؛ كقوله تعالى: (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ) (يس: 81 )

وقوله: (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) (يس: 79 ) .

وقوله: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) (الأنبياء: 22 ) .

إلى ما حواه من علوم السير، وأنباء الأمم، والمواعظ، والحكم، وأخبار الدار الآخرة، ومحاسن الآداب والشيم.

-قال الله ـ جل اسمه ـ: (ما فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ) (الأنعام: 38 )

-وقال: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) (النحل: 89 ) .

-وقال: (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِن جِئْتَهُم بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ) (الروم: 58 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت