فهرس الكتاب

الصفحة 1829 من 3657

وقال القرطبي: الموانع من مشاهدة ذلك إذا لم يحصل القصد إليه غير منحصرة ويحتمل أن يكون الله صرف جميع أهل الأرض غير أهل مكة وما حولها عن الالتفات إلى القمر في تلك الساعة ليختص بمشاهدته أهل مكة كما اختصوا بمشاهدة أكثر الآيات ونقلوها إلى غيرهم اهـ. وفي كلامه نظر لأن أحدا لم ينقل أن أحدا من أهل الافاق غير أهل مكة ذكروا أنهم رصدوا القمر في تلك الليلة المعينة فلم يشاهدوا انشقاقه، فلو نقل ذلك لكان الجواب الذي أبداه القرطبي جيدًا، ولكن لم ينقل عن أحد من أهل الأرض شيء من ذلك، فالاقتصار حينئذ على الجواب الذي ذكره الخطابي ومن تبعه أوضح والله اعلم.

وأما الآية فالمراد بها قوله تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ *) (القمر:1) لكن ذهب بعض أهل العلم من القدماء أن المراد بقوله: (وانشق القمر) أي سينشق كما قال تعالى: (أتى أمر الله) أي سيأتي والنكتة في ذلك إرادة المبالغة في تحقق وقوع ذلك فنزل منزلة الواقع.. والذي ذهب إليه الجمهور أصح كما جزم به بن مسعود وحذيفة وغيرهما ويؤيده قوله تعالى بعد ذلك: (وَأن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرّ ٌ*) (القمر:2) فإن ذلك ظاهر في أن المراد بقوله: (وانشق القمر) وقوع انشقاقه لأن لكفار لا يقولون ذلك يوم القيامة. وإذا تبين أن قولهم ذلك إنما هو في الدنيا تبين وقوع الانشقاق وأنه المراد بالآية التي زعموا أنها سحر ووقع ذلك صريحًا في حديث بن مسعود كما بيناه قبل.

ونقل البيهقي في أوائل البعث والنشور عن الحليمي أن من الناس من يقول أن المارد بقوله تعالى: (وانشق القمر) أي سينشق. قال الحليمي: فإن كان كذلك فقد وقع في عصرنا فشاهدت الهلال ببخارى في الليلة الثالثة منشقًا نصفين عرض كل واحد منهما كعرض ليلة أربع أو خمس ثم اتصلا فصار في شكل أترجة إلى أن غاب.. قال: وأخبرني بعض من أثق به أنه شاهد ذلك في ليلة أخرى اهـ. ولقد عجبت من البيهقي كيف أقر هذا مع إيراده حديث بن مسعود المصرح بأن المراد بقوله تعالى: (وانشق القمر) أن ذلك وقع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه ساقه هكذا من طريق بن مسعود في هذه الآية: (اقتربت الساعة وانشق القمر) قال لقد انشق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ساق حديث بن مسعود..

قال القاضي عياض:-وخرج الطحاوي ـ في مشكل الحديث، عن أسماء بنت عميس من طريقين ـ أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يوحي إليه، ورأسه في حجر علي فلم يصل العصر حتى غربت الشمس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أصليت يا علي؟ قال:لا. فقال: اللهم إنه كأن في طاعتك و طاعة رسولك فاردد عليه الشمس.

قالت أسماء: فرأيتها غربت، ثم طلعت بعد ما غربت، ووقفت على الجبال والأرض، وذلك بالصهباء في خيبر. قال وهذان الحديثان ثابتان ورواتهما ثقات.

-وحكى الطحاوي أن أحمد بن صالح كأن يقول: لا ينبغي لمن يكون سبيله العلم المتخلف عن حفظ حديث أسماء، لأنه من علامات النبوة.

-وروى يونس بن بكير في زيادة المغازي في روايته عن ابن إسحاق: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبر قومه بالرفقة والعلامة التي في العير قالوا: متى تجيء؟ قال: يوم الأربعاء، فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينظرون وقد ولى النهار ولم تجيء؟ فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فزيد له في النهار ساعة، وحبست عليه الشمس.

قلت: قال الشيخ محمد بن أحمد القسطلاني في المواهب اللدنية بالمنح المحمدية:

قال بعضهم هذا الحديث ليس بصحيح وأن أوهم القاضي عياض له في الشفا عن الطحاوي من طريقين، فقد ذكره ابن الجوزي في الموضوعات وقال: إنه موضوع بلا شك وفي سنده أحمد بن داود وهو متروك الحديث كذاب.، كما قال الدارقطني، وقال ابن حبان: كان يضع الحديث.

قال ابن الجوزي: وقد روى هذا الحديث ابن شاهين فذكره ثم قال: حديث باطل، قال: ومن تغفل واضعه أنه نظر إلى صورة فضيلة، ولم يلمح عدم الفائدة فيها، فإن صلاة العصر بغيبوبة الشمس تصير قضاء, ورجوع الشمس لا يعيدها أداء..اهـ

وقد أفرد ابن تيمية تصنيفًا مفردًا في الرد على الروافض ذكر فيه الحديث بطرقه ورجاله وأنه موضوع، والعجب من القاضي مع جلالة قدره وعلو خطره في علوم الحديث كيف سكت عنه موهما صحته، ناقلا ثبوته، موثقًا رجاله.. اهـ

وقال شيخنا ك قال أحمد: لا أصل له. وتبعه ابن الجوزي فأورده في الموضوعات.. ولكن قد صححه الطحاوي والقاضي عياض، وأخرجه ابن منده وابن شاهين من حديث أسماء بنت عميس، وابن مردويه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.. اهـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت