والمنهج الرباني القويم ممثلًا في هذا القرآن الذي يهدي للتي هي أقوم وفي توجيهات الرسول صلى الله عليه وسلم وهي من هذا القرآن وعلى نسقه واتجاهه قد أخذ الأمة المسلمة بالتربية على ذلك الأصل الكبير . . والْمَعْلَم الواضح البارز في مفرق الطريق . .
وهذا المثل الذي يضربه في هذه السورة من نوح وابنه فما يكون بين الولد والوالد ، ضرب أمثاله لشتى الوشائج والروابط الجاهلية الأخرى ، ليقرر من وراء هذه الأمثال حقيقة الوشيجة الوحيدة التي يعتبرها .
* ضرب لها المثل فيما يكون بين الولد والوالد وذلك فيما كان بين إبراهيم عليه السلام وأبيه وقومه كذلك:
{ واذكر في الكتاب إبراهيم ، إنه كان صديقًا نبيًا . إذ قال لأبيه: يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئًا؟ يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك ، فاتبعني أهدك صراطًا سويًا . يا أبت لا تعبد الشيطان ، إن الشيطان كان للرحمن عصيًا . يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليًا . . قال: أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم؟ لئن لم تنته لأرجمنك! واهجرني مليًا . قال سلام عليك سأستغفر لك ربي ، إنه كان بي حفيًا ، وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي ، عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيًا . فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيًا؛ ووهبنا لهم من رحمتنا ، وجعلنا لهم لسان صدق عليا } [ مريم: 41 50 ] .
* وضرب لها المثل فيما كان بين إبراهيم وذريته كما علمه الله سبحانه ولقنه ، وهو يعطيه عهده وميثاقه . ويبشره ببقاء ذكره وامتداد الرسالة في عقبه:
{ وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات ، فأتمهن ، قال: إني جاعلك للناس إماما ، قال: ومن ذريتي؟ قال: لا ينال عهدي الظالمين . . } { وإذ قال إبراهيم: رب اجعل هذا بلدًا آمنًا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر . قال: ومن كفر فأمتعه قليلًا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير } [ البقرة: 124 126 ]
* وضرب لها المثل فيما يكون بين الزوج وزوجه ، وذلك فيما كان بين نوح وامرأته ، و لوط وامرأته . وفي الجانب الآخر ما كان بين امرأة فرعون و فرعون:
{ ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط ، كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين ، فخانتاهما ، فلم يغنيا عنهما من الله شيئا ، وقيل: ادخلا النار مع الداخلين } { وضرب الله مثلًا للذين آمنوا امرأة فرعون ، إذ قالت: رب ابن لي عندك بيتًا في الجنة ، ونجني من فرعون وعمله ، ونجني من القوم الظالمين } [ التحريم: 10 11 ]
* وضربَ لها المثل فيما يكون بين المؤمنين وأهلهم وقومهم ووطنهم وأرضهم وديارهم وأموالهم ، ومصالحهم وماضيهم ومصيرهم . وذلك فيما كان بين إبراهيم والمؤمنين به مع قومهم . وما كان من الفتية أصحاب الكهف مع أهلهم وقومهم ودورهم وأرضهم . . .
{ قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه ، إذ قالوا لقومهم: إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله ، كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده . . . } [ الممتحنة: 4 ] .
وبهذه الأمثلة التي ضربها الله للأمة المسلمة من سيرة الرهط الكريم من الأنبياء والمؤمنين . الذين سبقوها في موكب الإيمان الضارب في شعاب الزمان ، وضحت معالم الطريق لهذه الأمة؛ وقام هذا المَعْلَم البارز أمامها عن حقيقة الوشيجة التي يجب أن يقوم عليها المجتمع المسلم ، ولا يقوم على سواها . وطالبها ربها بالإستقامة على الطريق في حسم ووضوح يتمثلان في مواقف كثيرة ، وفي توجيهات من القرآن كثيرة . . هذه نماذج منها . .