{ لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ، ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ، رضي الله عنهم ورضوا عنه ، أولئك حزب الله ، ألا إن حزب الله هم المفلحون } [ المجادلة: 22 ] { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة ، وقد كفروا بما جاءكم من الحق ، يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم ، إن كنتم خرجتم جهادًا في سبيلي وابتغاء مرضاتي ، تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ، ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل } [ الممتحنة: 1 ]
{ لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم ، والله بما تعملون بصير ، قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه . . . الخ } [ الممتحنة: 3 4 ] { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ، ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون } [ التوبة: 23 ] .
{ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ، بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم ، إن الله لا يهدي القوم الظالمين } [ المائدة: 51 ] .
وهكذا تقررت تلك القاعدة الأصيلة الحاسمة في علاقات المجتمع الإسلامي؛ وفي طبيعة بنائه وتكوينه العضوي الذي يتميز به عن سائر المجتمعات الجاهلية قديمًا وحديثًا إلى آخر الزمان . ولم يعد هناك مجال للجمع بين « الإسلام » وبين إقامة المجتمع على أية قاعدة أخرى غير القاعدة التي اختارها الله للأمة المختارة .
والذين يدعون صفة الإسلام ، ثم يقيمون مجتمعاتهم على قاعدة أو أكثر من تلك العلاقات الجاهلية التي أحل الإسلام محلها قاعدة العقيدة ، إما أنهم لا يعرفون الإسلام؛ وإما أنهم يرفضونه . والإسلام في كلتا الحالتين لا يعترف لهم بتلك الصفة التي يدعونها لأنفسهم وهم لا يطبقونها ، بل يختارون غيرها من مقومات الجاهلية فعلًا!
وندع هذه القاعدة وقد صارت واضحة تمامًا لننظر في جوانب من حكمة الله في إقامة المجتمع الإسلامي على هذه القاعدة . .
* إن العقيدة تمثل أعلى خصائص « الإنسان » التي تفرقه من عالم البهيمة؛ لأنها تتعلق بالعنصر الزائد في تركيبه وكينونته عن تركيب البهيمة وكينونتها وهو العنصر الروحي الذي به صار هذا المخلوق إنسانًا في هذه الصورة وحتى أشد الملحدين إلحادًا وأكثر الماديين مادية ، قد انتبهوا أخيرًا إلى أن العقيدة خاصة من خواص الإنسان تفرقه فرقًا أساسيًا عن الحيوان .
ومن ثم ينبغي أن تكون العقيدة في المجتمع الإنساني الذي يبلغ ذروة الحضارة الإنسانية هي آصرة التجمع . لأنها العنصر الذي يتعلق بأخص خصائص الإنسان المميزة له عن البهائم . ولا تكون آصرة التجمع عنصرًا يتعلق بشيء يشترك فيه الإنسان مع البهائم! من مثل الأرض والمرعى والمصالح والحدود التي تمثل خواص الحظيرة ، وسياج الحظيرة! ولا تكون كذلك هي الدم والنسب والعشيرة والقوم والجنس والعنصر واللون واللغة . . فكلها مما يشترك فيه الإنسان مع البهيمة . وليس هناك إلا شؤون العقل و القلب التي يختص بها الإنسان دون البهيمة!
* كذلك تتعلق العقيدة بعنصر آخر يتميز به الإنسان عن البهائم . . هو عنصر الاختيار والإرادة ، فكل فرد على حدة يملك أن يختار عقيدته بمجرد أن يبلغ سن الرشد؛ وبذلك يقرر نوع المجتمع الذي يريد أن يعيش فيه مختارًا؛ ونوع المنهج الاعتقادي والاجتماعي والسياسي والإقتصادي والخلقي الذي يريد بكامل حريته أن يتمذهب به ويعيش . .
ولكن هذا الفرد لا يملك أن يقرر دمه ونسبه ولونه وقومه وجنسه . كما لا يملك أن يقرر الأرض التي يحب أن يولد فيها ، ولغة الأم التي يريد أن ينشأ عليها . . إلى آخر تلك المقومات التي تقام عليها مجتمعات الجاهلية! . . إن هذه الأمور كلها يقضى فيها قبل مجيئه إلى هذه الأرض ، ولا يؤخذ له فيها مشورة ولا رأي؛ إنما هي تفرض عليه فرضًا سواء أحب أم كره! فإذا تعلق مصيره في الدنيا والآخرة معًا أو حتى في الدنيا وحدها بمثل هذه المقومات التي تفرض عليه فرضًا لم يكن مختارًا ولا مريدًا؛ وبذلك تسلب إنسانيته مقومًا من أخص مقوماتها؛ وتهدر قاعدة أساسية من قواعد تكريم الإنسان؛ بل من قواعد تركيبه وتكوينه الإنساني المميز له من سائر الخلائق!
ومن أجل المحافظة على خصائص الإنسان الذاتية ، والمحافظة على الكرامة التي وهبها الله له متمشية مع تلك الخصائص؛ يجعل الإسلام العقيدة التي يملك كل فرد اختيارها بشخصه منذ أن يبلغ سن الرشد هي الآصرة التي يقوم عليها التجمع الإنساني في المجتمع الإسلامي؛ والتي يتقرر على أساسها مصير كل فرد بإرادته الذاتية .
وينفي أن تكون تلك العوامل الاضطرارية ، التي لا يد له فيها ، ولا يملك كذلك تغييرها باختياره ، هي آصرة التجمع التي تقرر مصيره طول حياته .