فهرس الكتاب

الصفحة 185 من 3657

* ومن شأن قيام المجتمع على آصرة العقيدة وعدم قيامه على العوامل الاضطرارية الأخرى أن ينشئ مجتمعًا إنسانيًا عالميًا مفتوحًا؛ يجيء إليه الأفراد من شتى الأجناس والألوان واللغات والأقوام والدماء والأنساب والديار والأوطان بكامل حريتهم واختيارهم الذاتي؛ لا يصدهم عنه صاد ، ولا يقوم في وجوههم حاجز ، ولا تقف دونه حدود مصطنعة ، خارجة عن خصائص الإنسان العليا . وأن تصب في هذا المجتمع كل الطاقات والخواص البشرية ، وتجتمع في صعيد واحد ، لتنشىء « حضارة إنسانية » تنتفع بكل خصائص الأجناس البشرية؛ و لا تغلق دون كفاية واحدة ، بسبب من اللون أو العنصر أو النسب والأرض . . .

« ولقد كان من النتائج الواقعية الباهرة للمنهج الإسلامي في هذه القضية؛ ولإقامة التجمع الإسلامي على آصرة العقيدة وحدها ، دون أواصر الجنس والأرض واللون واللغة والمصالح الأرضية القريبة ، والحدود الإقليمية السخيفة! ولإبراز » خصائص الإنسان « في هذا التجمع وتنميتها وإعلائها ، دون الصفات المشتركة بينه وبين الحيوان . . كان من النتائج الواقعية الباهرة لهذا المنهج أن أصبح المجتمع المسلم مجتمعًا مفتوحًا لجميع الأجناس والألوان واللغات ، بلا عائق من هذه العوائق الحيوانية السخيفة! وأن صبت في بوتقة المجتمع الإسلامي خصائص الأجناس البشرية وكفاياتها ، وانصهرت في هذه البوتقة وتمازجت ، وأنشأت مركبًا عضويًا فائقًا في فترة تعد نسبيًا قصيرة . وصنعت هذه الكتلة العجيبة المتجانسة المتناسقة حضارة رائعة ضخمة ، تحوي خلاصة الطاقة البشرية في زمانها مجتمعة ، على بعد المسافات وبطء طرق الاتصال في ذلك الزمان . »

« لقد اجتمع في المجتمع الإسلامي المتفوق: العربي والفارسي والشامي والمصري والمغربي والتركي والصيني والهندي والروماني والإغريقي والأندونيسي والإفريقي . . . إلى آخر الأقوام والأجناس . . . وتجمعت خصائصهم كلها لتعمل متمازجة متعاونة متناسقة في بناء المجتمع الإسلامي والحضارة الإسلامية . ولم تكن هذه الحضارة الضخمة يومًا ما » عربية « إنما كانت دائمًا » إسلامية « ولم تكن يومًا ما » قومية « إنما كانت دائمًا » إسلامية « و لم تكن يومًا ما » قومية « إنما كانت دائمًا » عقيدية « .

» ولقد اجتمعوا كلهم على قدم المساواة ، وبآصرة الحب . وبشعور التطلع إلى وجهة واحدة . فبذلوا جميعًا أقصى كفاياتهم ، وأبرزوا أعمق خصائص أجناسهم ، وصبوا خلاصة تجاربهم الشخصية والقومية والتاريخية في بناء هذا المجتمع الواحد الذي ينتسبون إليه جميعًا على قدم المساواة ، وتجمع فيه بينهم آصرة تتعلق بربهم الواحد ، وتبرز فيها إنسانيتهم وحدها بلا عائق .

وهذا ما لم يجتمع قط لأى تجمع آخر على مدار التاريخ!

« لقد كان أشهر تجمع بشري في التاريخ القديم هو تجمع الإمبراطورية الرومانية مثلًا . فقد جمعت بالفعل أجناسًا متعددة ، ولغات متعددة ، وألوانًا متعددة ، وأمزجة متعددة . ولكن هذا كله لم يقم على » آصرة إنسانية « ولم يتمثل في قيمة عليا كالعقيدة . . لقد كان هناك تجمع طبقي على أساس طبقة الأشراف وطبقة العبيد في الإمبراطورية كلها من ناحية؛ وتجمع عنصري على أساس سيادة الجنس الروماني بصفة عامة وعبودية سائر الأجناس الأخرى . ومن ثم لم يرتفع قط إلى أفق التجمع الإسلامي؛ ولم يؤت الثمار التي آتاها التجمع الإسلامي . »

« كذلك قامت في التاريخ الحديث تجمعات أخرى . . تجمع الإمبراطورية البريطانية مثلًا . . ولكنه كان كالتجمع الروماني ، الذي هو وريثه! تجمعًا قوميًا استغلاليًا ، يقوم على أساس سيادة القومية الانجليزية ، واستغلال المستعمرات التي تضمها الإمبراطورية . . ومثله الإمبراطوريات الأوربية كلها . . الإمبراطورية الإسبانية والبرتغالية في وقت ما ، والإمبراطورية الفرنسية . . كلها في ذلك المستوى الهابط البشع المقيت! وأرادت الشيوعية أن تقيم تجمعًا من نوع آخر ، يتخطى حواجز الجنس والقوم والأرض واللغة واللون . ولكنها لم تقمه على قاعدة » إنسانية « عامة ، إنما أقامته على القاعدة » الطبقية « . فكان هذا التجمع هو الوجه الآخر للتجمع الروماني القديم . . هذا تجمع قاعدة طبقة » الأشراف « وذلك تجمع على قاعدة طبقة » الصعاليك « ( البروليتريا ) ؛ والعاطفة التي تسوده هي عاطفة الحقد الأسود على سائر الطبقات الأخرى! وما كان لمثل هذا التجمع الصغير البغيض أن يثمر إلا أسوأ ما في الكائن الإنساني . . فهو ابتداء قائم على أساس إبراز الصفات الحيوانية وحدها وتنميتها وتمكينها . باعتبار أن » المطالب الأساسية « للإنسان هي » الطعام والمسكن والجنس « وهي مطالب الحيوان الأولية وباعتبار أن تاريخ الإنسان هو تاريخ البحث عن الطعام!! »

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت