ولو كان الصحابة الذين رووا السنة مطعونين، لكان القرآن كذلك مشكوكًا فيه؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم هم الذين دونوه وحفظوه، وجمعوه في مصحف واحد بعد رسول الله، ونشروه في الأرض، ونقلوه لمن بعدهم، فلو كانوا غير مؤتمنين؛ لكان القرآن مكذوبًا، ولذلك أجمع المسلمون أن جرح الصحابة جرح للدين، وهدم عدالة الصحابة هدم للقرآن والسنة معًا، وليس للسنة وحدها.
ولذلك قال الإمام أبو زرعة: 'إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فاعلم أنه زنديق، وذلك: أن الرسول حق، والقرآن حق، وما جاء به حق، وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة، وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة' 'الإصابة لابن حجر 1/18' .
?ولا شك أيضًا: أن رد بعض السنة إذا كان صحيحًا ثابتًا حسب ضوابط النقل التي أجمع عليها أهل الإسلام فيما سموه مصطلح الحديث وعلموه وهو قبول نقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه إذا خلا من الشذوذ والعلة؛ ردها بزعم أنها تخالف العقل أو ردها بالهوى.. لا شك أن رد بعض السنة الثابتة بذلك هو هدم للسنة كلها؛ لأنه هدم للأصول التي على أساسها تعرف السنة الصحيحة الثابتة مما افتراه أهل الكذب، ونسبوه إلى رسول صلى الله عليه وسلم، أو مما غلط فيه بعض الرواة .
والعقل لا يمكن أن يكون مقياسًا للقبول والرد، لأن ما يراه زيد من الناس معقولًا قد يراه غيره أنه غير معقول إلا في الأمور الحسية القطعية. ولا توجد سنة صحيحة ثابتة حسب أصول النقل تخالف شيئًا من المعقول المقطوع به، ولذلك كان الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لضاعت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضياعها يعني ضياع القرآن كذلك، وضياع الدين كله.
والحمد لله الذي حفظ لنا كتابه وسنة رسوله الكريم التي هي الحكمة كما قال تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءَايَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [2] { 'سورة الجمعة'. وقال تعالى لنساء رسول الله صلى الله عليه وسلم:} وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءَايَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا [34] 'سورة الأحزاب'. فآيات الله هي: القرآن. والحكمة هي: سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
ويستحيل أن تضيع الحكمة التي امتن الله بها على عباده المؤمنين، قال تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءَايَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [164] 'سورة آل عمران'.
أَفَتَرَى الله سبحانه وتعالى يتكفل بحفظ القرآن، فيقول جل وعلا: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [9] 'سورة الحجر' . ولا يحفظ الحكمة التي هي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما يبين به القرآن ويشرحه ويفسره، وما هو تطبيقه وتأويله؟! إن هذا مستحيل.
? ولا شك أن الناظر في علم الإسناد، وكيف وضع علماء السنة ضوابط النقد للرجال، وكيف تتبعوهم وأحصوهم، وكيف ضبطوا هذا العلم ضبطًا فائقًا، وكيف أن الله سبحانه وتعالى قد هيأ له جهابذة من الرجال كانت لهم ملكات عظمية في الحفظ والملاحظة والدقة مع الدين والتقى مما مكنهم من تمييز ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما حاول الزنادقة والملحدون، وأهل الأهواء أن يدخلوه على الإسلام مما هو ليس منه في شيء.. وهذه معجزة من معجزات هذا الدين... فكما حفظ الله القرآن الكريم بأسباب عظيمة توافرت وتضافرت على حفظه من أن يتطرق إليه أدنى خلل، حفظ الله كذلك سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وهذا رد مجمل على كل من الفرق التي شككت في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولسنا في مقام الرد على كل شبهة من شبهاتهم الكثيرة، فإن هذا مكانه المطولات.
? وأما الذين ردوا بعض السنة الثابتة حسب مصطلحات أهل الحديث تحت دعوى أنها تخالف معقولهم، فإننا نقول لهم: إن ما تزعمونه من مخالفة عقولكم، يخالفكم فيه غيركم ممن يرون أن هذا يوافق العقل الصحيح، فأي العقول يعتمد عليه، ويقدم على الآخر؟! ولو ظن مسلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم يأمر بما يخالف العقل الصحيح لكفر. ولا شك أن هدم قواعد الإسناد التي وضعها أهل الحديث لتمييز السنة الصحيحة من الضعيفة هدم للسنة كلها.
?وأما من قال بأن أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وتفسيره للقرآن كان مناسبًا لجيل الصحابة، وأنه غير معقول لأجيالنا، فهو كافر بالله، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [64] 'سورة مريم' والقرآن والسنة حجة الله على الناس ما بقيت الدنيا: