فهرس الكتاب

الصفحة 202 من 3657

وفي هذه الآيات رفع الله من شأن نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه الصادقين، وأبان الصورة العظيمة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة العصيبة من الصبر والإيمان والتوكل، وثبت مع رسول الله: أهل الإيمان واليقين، الذين وصفهم الله بقوله: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ... [23] 'سورة الأحزاب'. وقد عاهدوه على نصر رسوله، والموت في سبيله. وما ذكر الله لنا هذا إلا ليكون هؤلاء الأصحاب الأطهار الأقوياء في الدين قدوة لنا وأسوة، وأن نحبهم ونجلهم، ونثني على جهادهم وصبرهم. ... ... ... الصحابة أسوة في العلم كما هم أسوة في الجهاد: ولا شك أنهم كانوا في العلم واليقين والفهم الصحيح للدين كما كانوا في الجهاد والبذل.. فكما أثنى الله على جهادهم وصبرهم، أثنى على إيمانهم وإحسانهم وعبادتهم، ولا غرو فقد كانوا هم الفوج الأول الذي تلقى التعليم والتربية من فم الرسول صلى الله عليه وسلم، وكانت القدوة المثلى، والمثل الكامل ماثلًا أمامهم ليس بينهم واسطة. فهذا رسول الله الإنسان الكامل، والقدوة المثلى أمامهم، يتلو عليهم الكتاب ويبينه لهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ويربيهم بالأسوة والموعظة الحسنة، ولفت النظر، والهجر والزجر أحيانًا، ولا يقر أحدًا منهم على باطل، ويختار فريقًا منهم فيوجب عليهم ما ليس واجبًا على العامة؛ ليحوزوا قَصَبَ السَّبْق، ويكونوا مثلًا لمن وراءهم كما أخذ على بعضهم ألا يسأل الناس شيئًا فكان إذا وقع السوط منه وهو على بعيره لا يسأل أحدًا أن يناوله إياه، وكل ذلك ليخرج منهم جيلًا يكون مثلًا لكل الأجيال في العلم والعمل والجهاد والصبر.

وبث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ما يحتاجونه من علم كما قَالَ أَبُو ذَرٍّ:' لَقَدْ تَرَكَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا يَتَقَلَّبُ فِي السَّمَاءِ طَائِرٌ إِلَّا ذَكَّرَنَا مِنْهُ عِلْمًا' رواه أحمد .

ومن أجل ذلك كله كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم الجيل المثالي الذي يجب أن تحتذيه كل أجيال الأمة في الإيمانوالجهاد، والعمل والعلم، وأن يقدم تفسيرهم للكتاب والسنة على كل تفسير، وأن كل ما جاء مخالفًا لما قالوه فليس من الهدى والدين، فما لم يعرفه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم من الدين فلا شك أنه ليس دينًا.

ولا شك أن أفضلهم بإطلاق هو أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين، وفضلهم كترتيبهم في الخلافة.

الأصل الرابع: الموالاة بين المسلم والمسلم:

فكل مسلم أخ لكل مسلم تجب عليه موالاته، ولا يجوز له أن يعتدي على دمه، أو ماله، أو عرضه.

وهذا الأصل دلت عليه مئات النصوص من كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، منها:

قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ... [10] 'سورة الحجرات'. وأكثر الآيات في سورة الحجرات.

وقوله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ... [103] 'سورة آل عمران'. وما تلى ذلك من الآيات من سورة آل عمران.

وقوله تعالى: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ [55] وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ [56] 'سورة المائدة'.

وأما الحديث فكثيرة جدًا، فمنها:

قوله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: '...فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا...' رواه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة والدارمي وأحمد.

وقوله صلى الله عليه وسلم: 'لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ' رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارمي وأحمد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت