فهرس الكتاب

الصفحة 214 من 3657

والخلاصة أنه عليه الصلاة والسلام تزوج السيدة زينب بنت جحش بعد طلاقها من زيد بن حارثة بأمر من الله الذي تولى سبحانه تزويجها له مباشرة، ليهدم بذلك قاعدة التبني إلى الأبد، وحتى لا يكون هناك حرج على الآباء في الزواج من مطلقات الأدعياء، لأنهم ليسوا أبناءهم .. وقد كانت السيدة زينب ابنة عمة الرسول صلى الله عليه وسلم، وربيت تحت رعايته، ولو كان له فيها مأرب لتزوجها منذ البداية، ولم يزوجها بنفسه لزيد من قبل ..

ومن أقوى ما قيل في تفنيد مزاعم المنافقين حول هذه الآية ما قاله فضيلة الشيخ محمد الغزالي (رحمه الله) قال: إنهم يقولون إن الذي يخفيه النبي في نفسه ويخشى فيه الناس دون الناس هو ميله إلى زينب. أي أن الله (بزعمهم) يعتب عليه عدم التصريح بهذا الميل !! ونقول: هل الأصل الأخلاقي أن الرجل إذا أحب امرأة أن يشهر بها بين الناس ؟ وخاصة إذا كان ذا عاطفة منحرفة جعلته يحب امرأة رجل آخر ؟!!

هل يلوم الله رجلا لأنه أحب امرأة آخر فكتم هذا الحب في نفسه ؟! وهل كان يرفع درجته لو أنه صاغ فيها قصائد غزل ؟!! هذا والله هو السفه! وهذا السفه هو ما يريد بعض المغفلين أن يفسر به القرآن !!

إن الله لا يعاتب أحدًا على كتمان حب طائش .. والذي أخفاه النبي صلى الله عليه وسلم في نفسه تأذّيه من هذا الزواج المفروض، وتراخيه في تنفيذ أمر الله به، وخوفه من كلام الناس عندما يجدون نظام التبني (كما ألفوه) قد انهار .

وقد أفهم الله رسوله أن أمره سبحانه لا يجوز أن يعطله توهم شئ ما، وأنه (إزاء التكليف الأعلى) لا مفر له من السمع والطاعة، شأن من سبقه من المرسلين، وأعقب الآية السابعة والثلاثين هذه بآيات أخرى تؤكد هذا المعنى:

(ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا . الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا) (الأحزاب: 38-39) .

ويضيف الشيخ الغزالي: (( إنك حين تثبت قلب رجل تقول له: لا تخش إلا الله، إنك لا تقول له ذلك وهو بصدد ارتكاب معصية .. إنما تقول له ذلك وهو يبدأ القيام بعمل فاضل كبير يخالف التقاليد الموروثة، وظاهر في هذه الآيات كلها أن الله لا يجرئ نبيه على حب امرأة، إنما يجرئه على إبطال عادة سيئة يتمسك الناس بها، عادة التبني، ويراد منه كذلك أن ينزل على حكمها، لذلك يقول الله تعالى بعد ذلك مباشرة، وهو يهدم نظام التبني:(ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيءٍ عليما) (الأحزاب: 40) .

أما السيدة (صفية بنت حيى بن أخطب) زعيم اليهود، فقد وقعت في الأسر بعد فتح خيبر، وكان أبوها وأخوها وزوجها قد قتلوا في المعركة .. ورفقا ورحمة بها خيرها الرسول صلى الله عليه وسلم بين إطلاق سراحها وإلحاقها بقومها إن أرادت البقاء على يهوديتها، وبين الزواج منه إن أسلمت، فقالت له: (( يا رسول الله ، لقد هويت الإسلام وصدقت بك قبل أن تدعوني .. وخيرتني بين الكفر والإسلام، فالله ورسوله أحب إلى من العتق ومن الرجوع إلى قومي ) ).. فتزوجها الرسول صلى الله عليه وسلم، وجعل تحريرها من الأسر هو مهرها.

ومن الواضح أنه كان من الضروري ألا يتزوج ابنة ملك اليهود سوى من يفوق أباها منزلة ومكانة، وهو سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم .. وليس معقولا ولا مقبولا أن تترك هذه المسكينة بعد ما كانت فيه من عز ورفاهية ورفعة لمن قد يسئ معاملتها، أو يضرب وجهها ..

ويؤيد هذه الرؤية رواية (دحية الكلبي) رضي الله عنه فقد قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أعطني جارية من سبى يهود . فقال عليه الصلاة والسلام له: (( اذهب فخذ جارية ) )، فذهب دحية فأخذ صفية .. فرآها الصحابة فقالوا: (( يا رسول الله، إنها سيدة بنى قريظة وبنى النضير، ما تصلح إلا لك ) ).. فتزوجها صلى الله عليه وسلم لذلك السبب.

وذات الأمر كان دافعا للنبي صلى الله عليه وسلم للزواج من السيدة (جويرية بنت الحارث بن ضرار) زعيم بنى المصطلق .. فقد حارب أبوها المسلمين، ولحقت به هزيمة منكرة كادت تتسبب في فناء قبيلته أو إذلالهم أبد الدهر .. فقد سقط المئات من بنى المصطلق أسرى، ومنهم السيدة جويرية بنت الحارث رضى الله عنها .. وجاءت إليه فقالت: (( يا رسول الله، أنا جويرية بنت الحارث سيد قومه .. وقد أصابني من الأمر ما قد علمت [تقصد الأسر والذل] فوقعت في سهم ثابت بن قيس فكاتبني على تسع أواق، فأعِنى في فكاكي [تطلب معاونته صلى الله عليه وسلم في دفع المتفق عليه لتحريرها من الأسر] فقال لها صلى الله عليه وسلم: أو خير من ذلك؟ فسألته: ما هو؟ فقال صلى الله عليه وسلم أؤدي عنك كتابك وأتزوجك.. فقالت: نعم يا رسول الله، قال صلى الله عليه وسلم: (( قد فعلت ) )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت