وعلى الرغم من أن الرسول صلى الله عليه وسلم أعتق زيدا وتبناه، ثم أبطل الإسلام التبني فاسترد زيد اسمه الأول (وحريته من قبل) ، فإن آل جحش رفضوا أن يزوجوه ابنتهم وهى من فتيات قريش المعدودات اللاتي يتنافس خيرة شباب العرب للفوز بهن ..
ولكن الله تعالى شاء أن يمضى هذا الزواج لحكمة كبرى، بل لعدة مقاصد: أولها أن يهدم التفاخر بالأنساب، ويثبت القاعدة الخالدة الراشدة (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) وليس أغناكم أو أعرقكم نسبا أو أفضلكم حسبا ..
ولهذا نزل قول الله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا) (الأحزاب: 36) .
وفور نزول هذه الآية الكريمة عرف عبد الله بن جحش وأخته زينب رضي الله عنهما أنه لا محيد لهم عن طاعة الله ورسوله، فقال عبد الله لابن خاله محمد صلى الله عليه وسلم: (( مرني بما شئت ) )فزوجها صلى الله عليه وسلم من زيد بن حارثة ..
وعلى الرغم من إتمام الزواج ظلت زينب تستعصي على زيد، وتشمخ عليه بنسبها وحسبها، حتى ضاق (رضي الله عنه) بها ذرعا، وذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في تطليقها لاستحالة العشرة بينهما، فأمره النبي أن يتقى الله ويمسك عليه زوجه فلا يطلقها ..
في ذلك الوقت أطلع الله تعالى رسوله على ما سوف يحدث، وهو أن زيد سيطلق زينب، ثم يزوجها الله من رسوله الأمين، ليهدم بذلك قاعدة التبني التي سادت في الجاهلية، إذ الأعدل والأصوب هو أن يُدعى كل ابن لأبيه الحقيقي، وليس لذلك الذي تبناه .. وإذا كان الإسلام يحرم إلى الأبد زواج الأب من امرأة ابنه، فالأمر ليس كذلك في حالة الابن بالتبني إذ هو ليس ابنا حقيقيا، وما ينبغي أن يكون .
ونزل قول الله تعالى: (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه و أنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتقِ الله وتخفى في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا) (الأحزاب: 37) .
وأفضل تفسير لهذه الآية الكريمة وأقربه إلى ما يليق بمقام النبوة الشريف النبيل، وما هو مقطوع به من عصمة الأنبياء (صلوات الله وسلامه عليهم) ما قاله الإمام على بن الحسين بن على بن أبى طالب، (الملقب بزين العابدين رضي الله عنه) ..
روى على بن الحسين: (( أن النبي صلى الله عليه و سلم كان قد أُوحي إليه أن زيدا سوف يطلق زينب، وأن الله سيزوج رسوله إياها .. فلما شكا زيد للنبي صلى الله عليه وسلم ما يلقى من أذى زوجته، وأنها لا تطيعه، وأعلمه أنه يريد طلاقها، قال له الرسول صلى الله عليه وسلم على جهة الأدب والوصية:(اتق الله وأمسك عليك زوجك) .. وهو صلى الله عليه و سلم يعلم أنه سيفارقها، ثم يتزوجها هو من بعده، وهذا ( العلم ) هو ما أخفاه صلى الله عليه وسلم في نفسه، ولم يرد أن يأمره بطلاقها .. فعاتبه الله تعالى على هذا القدر من خشية الناس في شيء قد أباحه الله له، وقوله لزيد (( أمسك عليك زوجك ) )، مع علمه بأنه يطلقها، وأعلمه سبحانه أن الله أحق بالخشية في كل حال )) .قال علماؤنا رحمهم الله: (( وهذا القول أحسن ما قيل في تفسير هذه الآية، وهو الذي عليه أهل التحقيق من المفسرين والعلماء الراسخين، مثل الزهري وبكر بن علاء القشيرى وأبو بكر بن العربي وغيرهم. ورفض الإمام ابن كثير(رضي الله عنه) كل رواية أخرى لا تناسب عصمة الرسول ومقام النبوة الرفيع، إذ هي من الموضوع وما لا يصح سنده ولا معناه.
ويعلق الإمام القرطبى على تلك الرواية الجاهلية التي تفسر قوله تعالى للرسول: (وتخفى في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه) بأنه صلى الله عليه وسلم أخفى في نفسه هوى لزينب، بقوله: (( هذا القول يصدر عن جاهل بعصمة النبي صلى الله عليه وسلم عن مثل هذا، أو مستخف بحرمته صلى الله عليه وسلم ) )..
وقال الحكيم الترمذي في (( نوادر الأصول ) ): (على بن الحسين جاء بهذا التفسير السليم للآية من خزانة العلم جوهرة من الجواهر ، ودرا من الدرر، فإنه إنما عتب الله عليه أنه أعلمك أن هذه ستكون من أزواجك، فكيف قال بعد ذلك لزيد( أمسك عليك زوجك ) ، وأخذتك خشية الناس أن يقولوا: تزوج امرأة ابنه، و ( والله أحق أن تخشاه ) ..
وقال النحاس: قال بعض العلماء: ليس هذا خطيئة من النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه لم يؤمر بالتوبة أو بالاستغفار منه، وقد يكون الشئ ليس خطيئة، ولكن غيره أحسن منه، وقد أخفى الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك في نفسه خشية أن يفتن الناس.