فلما انقضت عدتها أرسل إليها النبي صلى الله عليه وسلم يخطبها ، فاعتذرت بأنها تقدمت في السن، وأنها ذات أطفال، وأنها شديدة الغيرة، فرد عليها النبى صلى الله عليه وسلم: (( أما ما ذكرت من غيرتك فيذهبها الله .. وأما ما ذكرت من سنك فأنا أكبر منك سنا ... وأما ما ذكرت من أيتامك فعلى الله وعلى رسوله ) ). [أي أن عيالها سوف يرعاهم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم] ، وهذا أهم أهداف هذه الزيجة المباركة، أي كفالة هؤلاء الأيتام، فضلا عن رعاية الصحابية الجليلة بعد أن أصبحت أرملة ..
وأخيرا جاءت هذه الزيجة تكريما للزوج أبى سلمة نفسه بعد استشهاده، برعاية أرملته وأطفاله، وصلة لرحمه، فهو ابن عمة الرسول صلى الله عليه وسلم .. فأين اتباع الشهوة في مثل هذا الارتباط بأرملة تجاوزت الخمسين وذات أطفال ؟!!
وأما زواجه صلى الله عليه وسلم بالسيدة (أم حبيبة رملة بنت أبى سفيان بن حرب) رضي الله عنها, فله قصة توضح الهدف منه، والمقصد النبيل الذي تحقق به .. فقد كانت أم حبيبة زوجة لـ (عبيد الله بن جحش بن خزيمة) ، وهاجرت معه إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية .. وهناك فُتِن عبيد الله وارتد عن الإسلام (والعياذ بالله) وثبتت السيدة أم حبيبة رضي الله عنها على دينها رغم الغربة والوحشة والوحدة .. ولم تكن تستطيع الرجوع إلى مكة حيث كان أبوها أبو سفيان أحد زعماء قريش يضطهد الرسول وأصحابه أشد الاضطهاد ، فلو رجعت أم حبيبة لتعرضت للفتنة في دينها بدورها .. وكان لا بد من تكريمها وتعويضها عن الزوج الذي ارتد، ثم مات بالحبشة ..
وهكذا أرسل النبى صلى الله عليه وسلم إلى (النجاشي) ملك الحبشة (وكان قد أسلم) طالبا منه أن يعقد له على أم حبيبة .. وبالفعل زوجه النجاشي إياها، وأرسلها إليه بالمدينة بعد هجرته صلى الله عليه وسلم معززة مكرمة ..
ولما بلغ أبا سفيان خبر زواج النبي صلى الله عليه وسلم من ابنته أم حبيبة شعر بالسعادة، وقال عن زوج ابنته مبتهجا (والذي كان ما يزال عدوا له ولدينه) : (( هو الفحل لا يقرع أنفه ) ) (وهو مثل عربي مأخوذ مما يفعله العرب حين يردون الفحل المريض أو الذي به عيب عن تلقيح إناث الإبل بضربه على أنفه برمح أو عصا .. بينما يتركون الفحل الأصيل ليلقح الإناث بغير ضرب) .. أي أن مثل النبي صلى الله عليه وسلم لا يرد صهره، فهو كفء كريم تفخر كل قبيلة بمصاهرته وتزويجه بناتها.
قال أبو سفيان بن حرب ذلك على الرغم من أنه كان ما يزال مشركا عدوا للإسلام، ولكنه لا يخدع نفسه كأب تزوجت ابنته بأعظم وأشرف الرجال ..
وشاء الله جلت قدرته أن تدور الأيام، ويأتي أبو سفيان إلى المدينة محاولا إثناء النبي صلى الله عليه وسلم عن غزو مكة بعد أن نقض المشركين عهودهم معه، واعتدوا على حلفائه من قبيلة (خزاعة) ، وقتلوهم في البلد الحرام في الشهر الحرام .
ولم يجد أبو سفيان ملجأ بعد أن رفض كبار الصحابة التوسط له عند النبي صلى الله عليه وسلم سوى بيت ابنته وفوجئ أبو سفيان بابنته تطوى عنه الفراش في ضيق واشمئزاز .. فسألها: والله يا بنية ما أدرى هل رغبت بالفراش عنى أم رغبت بي عنه ؟!! فردت عليه بحسم: (( بل هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت رجل مشرك ) )..
يا الله .. إنها العقيدة الراسخة كالجبال في قلب زوجة المصطفى صلى الله عليه وسلم، تواجه بها أباها الذي خرجت من صلبه .. وذلك هو الإيمان الحق الذي يجعل الله ورسوله أحب إلى المسلم الصادق من أمه وأبيه وابنه وأخيه .
هل كان من المطلوب من الرسول أن يترك مثل هذه السيدة العظيمة للضياع بين زوج مرتد وأب كان كافرًا ؟!! ومن سواه صلى الله عليه وسلم أولى بأن يكرم مثواها، ويجزيها على ثباتها وصبرها وجهادها في سبيل عقيدتها ورسالتها ؟!! ومن يكون مناسبا لابنة سيد قريش سوى سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم ؟!!
ونأتي إلى قصة زواجه صلى الله عليه وسلم من السيدة (زينب بنت جحش الأسدى) رضي الله عنها, وهى ابنة عمته (أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف) .. أي أنها من أعرق وأشرف بيوت قريش وأرفعها نسبا وأما .. وكانت فيما يروون فائقة الجمال ..
وعندما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم يخطبها ظن أهلها أنه يريدها لنفسه، ثم فوجئوا به يطلبها لـ (زيد بن حارثة) .. كان زيد رضي الله عنه, عبدا في الجاهلية، وانتهي به المطاف عند الصادق الأمين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم الذي أكرم مثواه، وبلغ من تأثير عطفه وحنانه على زيد أن زيد فضّله على أبيه وعمه (لمّا خيّره بين البقاء معه أو اللحاق بأبيه وعمه عندما عثرا عليه، وجاءا من ديارهما في طلبه .. وهنا أشهدهم النبي صلى الله عليه وسلم أن زيد ابني أرثه ويرثني ... وذلك قبل تحريم التبني ) فرضي أبوه بذلك.