وكانت رضي الله عنها قد كبرت سنها، وبعد فترة من زواج الرسول صلى الله عليه وسلم بها تنازلت عن ليلتها للسيدة عائشة، وقالت كما جاء في إحدى الروايات: يا رسول الله، والله ما بي حب الرجال (تقصد أنها مسنة وليست بها حاجة إلى الرجال) ولكني أرجو أن أبعث في أزواجك يوم القيامة. وقبل منها النبي صلى الله عليه وسلم تنازلها للسيدة عائشة، وأبقى عليها زوجة في عصمته حتى موته صلى الله عليه وسلم ..
فهل يكون اقترانه عليه الصلاة والسلام بعجوز أخرى دليلا على ما يذهب إليه أعداء الله ورسوله من أن تعدد زوجاته صلى الله عليه وسلم كان للشهوة أو حب النساء ؟!! أو أنها مواساة منه عليه الصلاة والسلام لأرملة مسلمة لم يعد لها عائل بعد موت رجلها، وليس لها مال أو شباب أو جمال يدفع غيره صلى الله عليه وسلم للزواج منها ؟!!
والله .. إن مثل هذه الزيجة التي لا يطمع فيها أحد لهي بعض أعبائه عليه الصلاة والسلام ، وواجب ثقيل ألزم به نفسه الشريفة النبيلة صلى الله عليه وسلم .
ومن سواه يواسى الأرملة المحزونة؟ من سواه يجبر المكسور، ويفك الأسير، ويعين على شدائد الدهر، وهو الذي أرسله ربه رحمة للعالمين ؟!!
وأما السيدة (عائشة بنت الصِدّيق أبى بكر) رضي الله عنهما, فهي الزوجة الثالثة لنبي الهدى صلى الله عليه وسلم .. ومن الطبيعي أن يرتبط الداعية بالرجال الذين يقوم على أكتافهم البناء الشاهق، وتنتشر الدعوة بهم، ومن خلالهم إلى سائر إرجاء المعمورة .. وخير الروابط بين النبي وكبار أصحابه هو الرباط المقدس (الزواج) .. ولهذا تزوج عليه الصلاة والسلام من السيدة عائشة، وكانت صغيرة السن .. كما تزوج أيضا لذات السبب من السيدة (حفصة بنت عمر بن الخطاب) رضي الله عنهما ..
وهناك سبب ثان لزواجه صلى الله عليه وسلم من السيدة حفصة ، فقد كانت متزوجة قبله من (خنيس بن حذافة السهمي) الذي أسلم معها وهاجر بها إلى المدينة فمات عنها (عند قدوم النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة أحد) متأثرا بإصابته في الغزوة، وعندما انقضت عدتها عرض عمر على أبى بكر الصديق أن يزوجه ابنته حفصة، فسكت أبو بكر، مما أغضب عمر (رضي الله عنهم أجمعين) وكان عمر قد عرضها قبل ذلك على عثمان بن عفان فلم يوافق كذلك، مما أسخط عمر عليه كما سخط على صاحبه، فجاء عمر يشكوهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم ..
وطيّب صلى الله عليه وسلم خاطره وتزوجها تكريما لعُمَر، كما كرم أبا بكر من قبل وتزوج بابنته عائشة .. وكان الباعث لأبى بكر على عدم قبول الزواج من حفصة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يذكرها لنفسه، وما كان الصديق ليفشى سر رسول الله، أو يتزوج بمن عزم صلى الله عليه وسلم على الزواج منها ..
ومن المعروف أن السيدة حفصة رضي الله عنها لم تكن جميلة مثل عائشة أو صفية، لكنها كانت صوّامة قوّامة تحب الله ورسوله.
فهل يكون الزواج في حالة السيدة عائشة والسيدة حفصة استكثارا من النساء، أو جريا وراء الشهوات؟!! أم هي ضرورات الدعوة، وجبر الخاطر، وتوكيد الروابط بين المصطفى صلى الله عليه وسلم وكبار رجال الدعوة الوليدة والرأفة بزوجة شهيد (مثل حفصة) لم يكن لها من الجمال أو المال ما يغرى غيره عليه الصلاة والسلام بالزواج منها ؟!!
إنه الرحمة المهداة، والنعمة المسداة, عليه الصلاة والسلام ..
هناك أيضا ظروف زواج الرسول الأمين من السيدة (زينب بنت خزيمة) الملقبة بـ (أم المساكين) رضي الله عنها, فقد كانت زوجة لابن عم النبى صلى الله عليه وسلم (عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف) رضي الله عنه, الذي استشهد في يوم بدر و تركها وحيدة لا عائل لها ..
فهل يكون جزاء الصحابي وابن العم الشهيد أن تترك أرملته وحدها ؟!! ومن يصل الرحم، ويجازى الشهيد، ويخلفه في أهله بكل البر والخير والرحمة سوى الصادق الأمين خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم ؟!!
وهل مثل هذه الزيجة يكمن خلفها أي مطمع حسي أو غيره ؟! أم أنها واجب وعبء إضافي على عاتق المصطفى صلى الله عليه وسلم ؟!! وقد ماتت (رضي الله عنها) بعد زواجها من الرسول بعدة أشهر .
وكذلك جاء زواجه صلى الله عليه وسلم من السيدة (أم سلمة) رضي الله عنها, واسمها (هند بنت سهيل بن المغيرة المخزومى) .. وقد أصيب زوجها (أبو سلمة) رضي الله عنه يوم أحد (هو عبد الله بن عبد الأسد - وكان أ خًا للنبى صلى الله عليه وسلم من الرضاعة) ، ثم برئ الجرح بعدها بشهر .. وخرج رضي الله عنه في (سرية قطن) ثم رجع منها بعد شهر آخر، وانتقض الجرح عليه فتسبب في استشهاده (رضي الله عنه) وخلف وراءه السيدة أم سلمة وكثرة من الأطفال ..