ومازالون يتطاولون على المقام الشريف والسُنّة المطهرة، كيدا منهم لهذا الدين، والله يحفظه (رغم أنوفهم) إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .
وهناك آخرون لا يعلمون بواعث تعدد زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم ..
ومن يطالع السيرة العطرة سوف يكتشف بسهولة أن بعض هذه الزيجات كان في المقام الأول تلبية لدوافع إنسانية، والبعض الآخر كان لتأليف القلوب، وتطييب النفوس، وتمهيد الأرض للدعوة المباركة بالمصاهرة وجبر الخاطر ..
ثم هناك حقه الطبيعي صلى الله عليه وسلم في الزواج، لأنه بشر، وليس ملَكًا .. والزواج هو شريعة كل أنبياء الله (حتى من لم يتزوج منهم مثل عيسى ويحيى عليهما السلام ) , ولا يوجد نص في الكتاب المقدس يحظر تعدد الزوجات, فنجد أن لإبراهيم وإسرائيل (يعقوب) وداود وسليمان (عليهم السلام أجمعين) أكثر من زوجة, ولم توجه كلمة لوم واحدة في الكتاب المقدس لهذه الحالات الواضحة من حالات تعدد الأزواج!
ولنبدأ بأول زوجات المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهى السيدة (خديجة بنت خويلد) رضي الله عنها وأرضاها, فقد تزوجت في الجاهلية من هند بن النباش التميمى (وكنيته أبو هالة) .. وبعد موته تزوجت (عتيق بن عابد المخزومى) .. ثم مات عنها عتيق .. وكانت من أرفع بيوت قريش وأوسطها نسبا وحسبا. وكان لها مال ترسل رجالا من قومها يتاجرون لها فيه .. ولما سمعت بأمانة محمد عليه الصلاة والسلام أرسلت إليه ليتاجر لها في مالها في رحلة الشام، على أن تعطيه ضعف ما كانت تعطى غيره من الأجر .
ورحل صلى الله عليه وسلم بمالها مع غلامها (ميسرة) إلى الشام، فباع واشترى وعاد إلى مكة بأضعاف ما كانت خديجة تربحه من قبل .. وأعطته السيدة خديجة ضعف الأجر المتفق عليه .. وأخبرها غلامها ميسرة بما رأى في محمد صلى الله عليه وسلم من شمائل كريمة, وفكر راجح, ومنطق صادق, ونهج أمين ..
فازدادت إعجابا به، وأرسلت إليه صديقتها (نفيسة بنت أمية) تعرض عليه الزواج من خديجة التي كان عمرها في ذلك الوقت أربعين سنة .. فوافق عليه الصلاة والسلام، وكان عمره وقت أن تزوجها خمسا وعشرين سنة .
وولدت له السيدة خديجة كل أولاده وبناته باستثناء إبراهيم ولده من مارية القبطية (الجارية التي أهداها المقوقس إلى النبي ..) ولم يتزوج صلى الله عليه وسلم أخرى حتى ماتت السيدة خديجة عن خمس وستين سنة، بينما كان عليه الصلاة والسلام قد تخطى الخمسين سنة ..
والآن نتساءل: إذا كان نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم قد عاش بلا زواج حتى سن الخامسة والعشرين .. ولم يكن أهل مكة يقولون عنه إلا كل الخير، وكانوا يلقبونه بالصادق الأمين .. وكانت طهارته وعفته مضرب الأمثال (باعتراف أعتى المشركين وأشدهم عداوة له وحقدا عليه) .. وإذا كان تزوج بعد ذلك من السيدة خديجة (وهى أكبر منه سنا بخمس عشرة سنة) ، وظل مكتفيا بها زوجة وحيدة حتى بعد أن تجاوزت الستين .. فأين ما يزعمون من حبه للشهوات واستكثاره من النساء ؟!!
لقد كان عليه الصلاة والسلام في تلك الفترة في ريعان شبابه، ولم يكن قد شغل بعد بأعباء الدعوة المباركة، وتبعاتها الثقيلة، ولو كان (كما يزعم أعداء الإسلام) من ذوى الشهوة الطاغية لتزوج من شاء من النساء ، وقد كان تعدد الزوجات والجواري شائعا قبل الإسلام بلا قيد أو عدد محدد .. وما كان ذلك عيبا ولا محظورا .. فلماذا لم يفعل صلى الله عليه وسلم ؟!
أليس هذا دليلا على أنه صلى الله عليه وسلم قد عدد زوجاته فيما بعد لأسباب أخرى أسمى وأرفع قدرا من مجرد إشباع الشهوة، رغم أن هذا الإشباع بالزواج ليس عيبا ولا شائنا للزوج ؟!
ثم هناك نقطة أخرى (قبل أن ننتقل إلى باقي الزوجات) . لقد كان عليه الصلاة والسلام يذكر السيدة خديجة بكل الخير والوفاء بعد موتها .. وحتى بعد أن صار له تسع نسوة .. كان يغضب إذا أساء أحد إلى ذكراها العطرة، ولو كانت عائشة أحب زوجاته إليه.. ويذكر عليه الصلاة والسلام (في كل مناسبة) معروف خديجة وفضلها عليه وعلى الدعوة الغراء، ولم ينسها رغم أنها كانت عجوزا ورزق بعدها بزوجات أصغر سنا، وربما أكثر جمالا ..
هل مثل هذا الزوج يقال عنه إنه يضع الشهوة الجنسية في المقام الأول ؟!! هل يظن مثل هذا الظن المريض بمن وصفه رب العزة بأنه على خلق عظيم؟!: (وإنك لعلى خلق عظيم) (سورة ق: 4) .
ونأتي الآن إلى ظروف زواجه صلى الله عليه وسلم بثانية زوجاته السيدة (سودة بنت زمعة) رضي الله عنها, فقد كانت متزوجة في الجاهلية بـ (السكران بن عمرو بن عبد شمس) ، وهو ابن عمها، وأسلما بمكة وخرجا مهاجرين إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية .. ثم قدما من الحبشة، ومات السكران بمكة، و ترملت زوجته السيدة سودة، فلما انقضت عدتها أرسل لها النبي صلى الله عليه وسلم فخطبها وتزوجها بمكة، وهاجرت معه إلى المدينة .