يعني بقوله: (وإذ استسقى موسى لقومه) ، وإذ استسقانا موسى لقومه، أي سألنا أن نسقي قومه ماء . فترك ذكر المسئول ذلك ، والمعنى الذي سأل موسى، (1) إذْ كان فيما ذكر من الكلام الظاهر دلالة على معنى ما ترك.
وكذلك قوله: (فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا) ، مما استغني بدلالة الظاهر على المتروك منه . وذلك أن معنى الكلام: فقلنا اضرب بعصاك الحجر ، فضربه، فانفجرت . فترك ذكر الخبر عن ضرب موسى الحجر ، إذ كان فيما ذكر دلالة على المراد منه .
وكذلك قوله: (قد علم كل أناس مشربهم) ، إنما معناه: قد علم كل أناس منهم مشربهم . فترك ذكر"منهم"لدلالة الكلام عليه .
وقد دللنا فيما مضى على أن"أناس"جمع لا واحد له من لفظه، (2) وأن"الإنسان"لو جمع على لفظه لقيل: أناسيّ وأناسية. (3)
(1) قوله"والمعنى الذي سأل موسى"، يعني"والشيء"وهو الماء
(2) في المطبوعة:"ان الناس جمع لا واحد له"، وقد مضى ذلك ، ولكنه هنا أراد"أناس"، المذكور في الآية ، وهو أيضًا جمع لا واحد له من لفظه ، وإن قال بعضهم إنه جمع إنس
(3) انظر ما سلف 1: 268 .
وقوم موسى هم بنو إسرائيل، الذين قص الله عز وجل قصصهم في هذه الآيات . وإنما استسقى لهم ربه الماء في الحال التي تاهوا فيها في التيه ، كما:-
1043 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة قوله: (وإذ استسقى موسى لقومه) الآية قال، كان هذا إذْ هم في البرية اشتكوا إلى نبيهم الظمأ ، فأمروا بحجر طوري - أي من الطور - أن يضربه موسى بعصاه . فكانوا يحملونه معهم ، فإذا نزلوا ضربه موسى بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ، لكل سبط عين معلومة مستفيض ماؤها لهم .
1044 - حدثني تميم بن المنتصرقال، حدثنا يزيد بن هارون قال، حدثنا أصبغ بن زيد ، عن القاسم بن أبي أيوب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال: ذلك في التيه؛ ظلل عليهم الغمام ، وأنزل عليهم المن والسلوى ، وجعل لهم ثيابا لا تبلى ولا تتسخ ، وجُعل بين ظهرانيهم حجر مربع ، وأمر موسى فضرب بعصاه الحجر ، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا في كل ناحية منه ثلاث عيون ، لكل سبط عين ؛ ولا يرتحلون منقلة إلا وجدوا ذلك الحجر معهم بالمكان الذي كان به معهم في المنزل الأول . (1) .
1045 - حدثني عبد الكريم قال، أخبرنا إبراهيم بن بشار قال، حدثنا سفيان ، عن أبي سعيد ، عن عكرمة عن ابن عباس قال: ذلك في التيه . ضرب لهم موسى الحجر ، فصار فيه اثنتا عشرة عينا من ماء ، لكل سبط منهم عين يشربون منها .
1046 - وحدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: (فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا) لكل سبط منهم عين . كل ذلك كان في تيههم حين تاهوا .
1047 - حدثنا القاسم بن الحسن قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج
(1) المنقلة: المرحلة من مراحل السفر ، والجمع مناقل .
، عن ابن جريج ، عن مجاهد قوله: (وإذ استسقى موسى لقومه) ، قال: خافوا الظمأ في تيههم حين تاهوا ، فانفجر لهم الحجر اثنتي عشرة عينا ، ضربه موسى . قال ابن جريج: قال ابن عباس:"الأسباط"بنو يعقوب، كانوا اثني عشر رجلا كل واحد منهم ولد سبطا، أمة من الناس . (1)
1048 - وحدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: استسقى لهم موسى في التيه ، فسقوا في حجر مثل رأس الشاة، قال: يلقونه في جوانب الجوالَق إذا ارتحلوا ، (2) ويقرعه موسى بالعصا إذا نزل ، فتنفجر منه اثنتا عشرة عينا ، لكل سبط منهم عين ، فكان بنو إسرائيل يشربون منه ، حتى إذا كان الرحيل استمسكت العيون ، وقيل به فألقى في جانب الجوالق (3) . فإذا نزل رمى به ، فقرعه بالعصا ، فتفجرت عين من كل ناحية مثل البحر.
1049 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثني أسباط ، عن السدي قال: كان ذلك في التيه .
وأما قوله: (قد علم كل أناس مشربهم) ، فإنما أخبر الله عنهم بذلك. لأن معناهم -في الذي أخرج الله جل وعز لهم من الحجر، الذي وصف جل ذكره في هذه الآية صفته- (4) من الشرب كان مخالفا معاني سائر الخلق فيما أخرج الله لهم من المياه من الجبال والأرضين، التي لا مالك لها سوى الله عز وجل . وذلك
(1) في المطبوعة:"ولد سبطا وأمة من الناس"، والصواب حذف واو العطف فإن قوله"أمة من الناس"تفسير قوله"سبطا".
(2) الجوالق: وعاء كبير منسوج من صوف أو شعر ، تحمل فيه الأطعمة ، وهو الذي نسميه في بلادنا"الشوال"محرفة من"الجوالق".