يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ( 45 ) وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ( 46 ) وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا ( 47 ) ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى"بالله وكيلا ( 48 ) {الأحزاب: 45 - 48} ."
مهما كتب الصادقون من ثناء على النبيّ العظيم، سيد المرسلين محمد ، ومهما ألَّفوا من كتب وقدَّموا من دراسات عن عظمة النبيِّ الخاتم، ومهما نظَم الشعراء من قصائد في مديح النبيّ المصطفى، فلن يبلغ ذلك كله ما أثنى به الله على رسوله الذي اصطفاه وبعثه رحمة للعالمين. وحَسْبك هذا الوصف الذي تعرضه الآيات الكريمة أعلاه، يخاطب بها الله سبحانه وتعالى رسوله ونبيّه، فيبيّن له حقيقة المهمة التي بُعث بها: شاهدًا على أُمَّتِكَ وقد بلَّغتَهم وأقمتَ عليهم الحجَّة وعلى الناس كافَّة، ومبشرًا للمؤمنين بالجنَّة والفضل العظيم من الله، ونذيرًا للكافرين من عذاب النار يوم القيامة، وداعيًا يبلِّغ رسالة ربِّه، الرسالةَ الخاتمة، إلى الناس كافة، رسالة ظاهرة مشرقة كالشمس بصدقها وحجتها وآياتها. ولا تطع الذين أدبروا عن الهدى، ولا تبالِ بأذاهم وامضِ متوكلًا على الله، على خطّة جليَّة، ونهج قويم، وصراط مستقيم، لا يعطله إيذاء المجرمين !
وتتوالى الآيات الكريمة تعرض عظمة النبيّ الذي اصطفاه الله واختاره وبعثه بالهدى ودين الحق، تعرض وتحيط بجوانب عظمته في بيان معجز وعرض حق . ولا نستطيع هنا أن نورد الآيات كلها في هذا الصدد، ولكننا نأخذ قبسات تشير وتدلُّ: وإنك لعلى"خلق عظيم 4 {القلم: 4} ."
وما أعظم هذا الثناء من ربِّ العالمين، يبرز فيه سبحانه وتعالى أهمية الخُلُق في دين الله، ومنزلته في حياة الناس، ودوره في الوفاء بالأمانة والعهد، والتبليغ والتعهد. ولتكون نبراسًا للخَلْقِ كلِِّهم، للبشريَّة كلِّها، حتى يتمسكوا بهذا المبدأ العظيم، ويتأسَّوا بخُلُق الرسول:
لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا 21 {الأحزاب: 21} .
ويرفع الله منزلة النبي بين المؤمنين وبين الخلق جميعًا، حتى يكون أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وزوجاته أمهاتهم:
النبي أولى"بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولوا الأرحام بعضهم أولى"ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى"أوليائكم معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا 6 {الأحزاب: 6} ."
وهذه المنزلة العالية والصفات السامية تجتمع في رجل أمّيٍّ لا يقرأ ولا يكتب، وبعثه الله بهذه المعجزة العظيمة ليدحض الله بها أقوال المفترين ومزاعم المضلّين:
قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون 158 {الأعراف: 158} .
وأمر الله المؤمنين باحترام الرسول بأسلوب الحديث وعدم رفع الصوت وعدم تقديم الرأي بين يديه، وجعل الله الإخلال بذلك مبطلًا لأعمالهم. إنه إجلال للنبوة ولمنزلتها العالية:
يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم 1 يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون 2 {الحجرات: 1، 2} .
وحَسْبك من ثناء الله على رسوله أن اختاره واصطفاه من خلقه، ليحمل هذه الرسالة العظيمة، وجعل طاعة الرسول من طاعة الله، ومعصيته من معصية الله سبحانه وتعالى، وإيذاءه يجلب غضب الله ولعنته:
يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون 20 ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون 21 {الأنفال: 20، 21} .
قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين 54 {النور: 54} .
من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى"فما أرسلناك عليهم حفيظا 80 {النساء: 80} ."
إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا 57 {الأحزاب: 57} .
وأيّ ثناء أعظم من أن يجعل الله طاعة رسوله من طاعته، قاعدة إيمانيَّة رئيسة يلتزم بها المؤمنون أبد الدهر . ولتكون طاعة الله ورسوله هي القاعدة الجامعة للمؤمنين صفًا واحدًا ما التزموا ذلك !
ويظلُّ الثناء على رسوله ثناءً ممتدًا أبد الدهر، كلما تلا مؤمن كتاب الله، يردّد مع التلاوة ثناء الله على رسوله ، كما يقول الشاعر:
حَسْبُكَ المَدْحُ أَنْ تكون عَلَى خُلْ
قٍ عَظيمٍ يُتْلَى بِهِ الكِتابُ المُجيدُ
كُلُّ آيٍ مِنَ الكِتابِ وَذِكْرٍ
هُوَ ذِكْرٌعلى الزَّمَانِ جَدِيدُ (1)
2-عناية الله ورعايته، وتثبيته وحمايته: