فهرس الكتاب

الصفحة 2217 من 3657

يضاف إلى ذلك أن الأسرى الذين كانوا يقعون في يد الإسلام كانوا يعاملون تلك المعاملة الكريمة التي وصفناها من قبل، ولا يلقون الهوان والتعذيب، وكان يفتح أمامهم باب التحرر حين تسعى نفوسهم إليه وتحتمل تبعاته، وإن كان معظمهم في الواقع لم يكن حراً قبل أسره، إنما كان من الرقيق الذي استرقه الفرس والرومان ودفعوه إلى قتال المسلمين .

فكأن الأمر في الحقيقة لم يكن استرقاقاً من أجل الاسترقاق. ولا كان الرق أصلاً دائماً يهدف الإسلام إلى المحافظة عليه، فاتجاه الإسلام إلى تحرير الرقيق هو الاتجاه البارز الذي تشير كل الدلائل إليه .

وإنما هو وضع موقوت يؤدي في النهاية إلى التحرير .

تقوم الحرب بين المسلمين وأعداء الإسلام فيقع بعض الأسرى من الكفار في يد المسلمين، فيصبحون - في بعض الحالات، لا في كل الحالات ولا بصورة حتمية - رقيق حرب، فيعيشون فترة من الزمن في جو المجتمع الإسلامي، يبصرون عن كثب صورة العدل الرباني مطبقاً في واقع الأرض، وتشملهم روح الإسلام الرحيمة بحسن معاملتها واعتباراتها الإنسانية، فتتشرب أرواحهم بشاشة الإسلام، وتتفتح بصائرهم للنور .. وعندئذ يحررهم الإسلام بالعتق في بعض الأحيان، أو بالمكاتبة إن تاقت نفوسهم إلى الحرية وسعوا إليها .

وبذلك تصبح الفترة التي يقضونها في الرق في الحقيقة فترة علاج نفسي وروحي، قوامه إحسان المعاملة لهم، وإشعارهم بآدميتهم المهدرة، وتوجيه أرواحهم إلى النور الرباني بغير إكراه.. ثم في النهاية يكون التحرير ..

وذلك كله في حالة الاسترقاق. وليست هي السبيل الوحيد الذي يسلكه الإسلام، كما يتضح من آية التشريع، ومن السلوك العملي للرسول صلى الله عليه وسلم في مختلف الغزوات .

أما النساء فقد كرمهن - حتى في رقهن - عما كن يلقين في غير بلاد الإسلام. فلم تعد أعراضهن نهباً مباحاً لكل طالب على طريقة البغاء (وكان هذا هو مصير أسيرات الحروب في أغلب الأحيان) وإنما جعلهن ملكاً لصاحبهن وحده، لا يدخل عليهن أحد غيره، وجعل من حقهن نيل الحرية بالمكاتبة، كما كانت تحرر من ولدت لسيدها ولداً ويحرر معها ولدها، وكن يلقين من حسن المعاملة ما أوصى به الإسلام .

تلك قصة الرق في الإسلام: صفحة مشرفة في تاريخ البشرية. فالإسلام لم يجعل الرق أصلاً من أصوله، بدليل أنه سعى إلى تحريره بشتى الوسائل، وجفف منابعه كلها لكي لا يتجدد، فيما عدا المنبع الواحد الذي ذكرناه وهو رق الحرب المعلنة للجهاد في سبيل الله. وقد رأينا أن الرق فيها ليس ضربة لازب، وأنه - إن حدث - فلفترة موقوتة تؤدي في النهاية إلى التحرير ..

أما ما حدث في بعض العهود الإسلامية من الرق في غير أسرى الحروب الدينية، ومن نخاسة واختطاف وشراء لمسلمين لا يجوز استرقاقهم أصلاً، فإن نسبته إلى الإسلام ليست أصدق ولا أعدل من نسبة حكام المسلمين اليوم إلى الإسلام بما يرتكبونه من موبقات وآثام !

وينبغي أن نجعل بالنا إلى عدة أمور في هذا الموضوع .

الأول: هو تعدد منابع الرق عند الدول الأخرى بغير ضرورة ملجئة سوى شهوة الاستعباد، من استرقاق أمة لأمة، وجنس لجنس، واسترقاق للفقر. واسترقاق بالوراثة من الميلاد في طبقة معينة، واسترقاق بسبب العمل في الأرض إلخ، وإلغاء هذه المنابع كلها في الإسلام، فيما عدا المنبع الوحيد الذي شرحنا ظروفه من قبل .

والثاني: أن أوربا مع تعدد موارد الرق فيها بغير ضرورة، لم تلغ الرق حين ألغته متطوعة، وكتابهم يعترفون بأن الرق ألغي حين ضعف إنتاج الرقيق - لسوء أحوالهم المعيشية وفقدان الرغبة أو القدرة على العمل - بحيث أصبحت تكاليف العبد من إعاشة وحراسة أكثر من إنتاجه !! فهي إذن حسبة اقتصادية لا غير، يحسب فيها المكسب والخسارة، ولا ظل فيها لأي معنى من المعاني الإنسانية التي تشعر بكرامة الجنس البشري، فتمنح الرقيق حريته من أجلها ! هذا بالإضافة إلى الثورات المتتابعة التي قام بها الرقيق فاستحال معها دوام استرقاقه .

ومع ذلك فإن أوربا حينئذ لم تمنحه الحرية. ولكنها حولته من رقيق للسيد إلى رقيق للأرض، يباع معها ويشترى، ويخدم فيها، ولا يجوز له أن يغادرها، وإلا اعتبر آبقاً وأعيد إليها بقوة القانون مكبلاً بالسلاسل مكوياً بالنار. وهذا اللون من الرق هو الذي بقي حتى حرمته الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر، أي بعد أن قرر الإسلام مبدأ التحرير بما يزيد على ألف ومائة عام .

والأمر الثالث: أنه لا يجوز أن تخدعنا الأسماء. فقد ألغت الثورة الفرنسية الرق في أوربا، وألغى لنكولن الرق في أمريكا، ثم اتفق العالم على إبطال الرق.. كل ذلك من الظاهر. وإلا فأين هو الرق الذي ألغي؟ وما اسم ما يحدث اليوم في كل أنحاء العالم؟ وما اسم الذي كانت تصنعه فرنسا في المغرب الإسلامي؟ وما اسم الذي تصنعه أمريكا في الزنوج، وانجلترا في الملونين في جنوب افريقيا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت