أليس الرق في حقيقته هو تبعية قوم لقوم آخرين، وحرمان طائفة من البشر من الحقوق المباحة للآخرين؟ أم هو شيء غير ذلك؟ وماذا يعني أن يكون هذا تحت عنوان الرق، أو تحت عنوان الحرية والإخاء والمساواة؟ ماذا تجدي العناوين البراقة إذا كانت الحقائق التي وراءها هي أخبث ما عرفته البشرية من الحقائق في تاريخها الطويل؟
لقد كان الإسلام صريحاً مع نفسه ومع الناس فقال: هذا رق، وسببه الوحيد هو كذا، والطريق إلى التحرر منه مفتوح .
أما الحضارة الزائفة التي نعيش اليوم في أحضانها، فلا تجد في نفسها هذه الصراحة، فهي تصرف براعتها في تزييف الحقائق وطلاء اللافتات البراقة. فقتل مئات الألوف في تونس والجزائر والمغرب لغير شيء سوى أنهم يطالبون بالحرية والكرامة الإنسانية: حريتهم في أن يعيشوا في بلادهم بلا دخيل، وأن يتكلموا لغتهم، ويعتقدوا عقيدتهم، ولا يخدموا إلا أنفسهم. وحريتهم في التعامل المباشر مع العالم في السياسة والاقتصاد... قتل هؤلاء الأبرياء وحبسهم في السجون القذرة بلا طعام ولا ماء، وانتهاك أعراضهم والسطو على نسائهم، وقتلهن بلا مبرر وشق بطونهن للتراهن على نوع الجنين.. هذا اسمه في القرن العشرين حضارة ومدنية ونشر لمبادئ الحرية والإخاء والمساواة. أما المعاملة المثالية الكريمة التي كان يمنحها الإسلام للرقيق قبل ثلاثة عشر قرناً، تطوعاً منه وإكراماً للجنس البشري في جميع حالاته، مع إعلانه العملي بأن الرق وضع مؤقت وليس حالة دائمة، فهذا اسمه تأخر وانحطاط وهمجية .
وحين يضع الأمريكان على فنادقهم ونواديهم لافتات تقول:"للبيض فقط"أو تقول في وقاحة كريهة:"ممنوع دخول السود والكلاب"، وحين يفتك جماعة من البيض"المتحضرين"بواحد من الملونين، فيطرحونه أرضاً ويضربونه بأحذيتهم حتى يسلم الروح، ورجل الشرطة واقف لا يتحرك ولا يتدخل، ولا يهم لنجدة أخيه في الوطن وفي الدين واللغة فضلاً عن الأخوة في البشرية، كل ذلك لأنه - وهو ملون - تجرأ فمشى إلى جانب فتاة أمريكية بيضاء لا عرض لها - وبإذنها لا كرها عنها - يكون هذا هو أقصى ما وصل إليه القرن العشرون من التحضر والارتفاع .
أما حين يتهدد العبد المجوسي عمر بالقتل، ويفهم عنه عمر ذلك، ثم لا يحبسه ولا ينفيه من الأرض، ولا نقول يقتله، وهو مخلوق ناقص الآدمية حقا لأنه يعبد النار ويصر على عبادتها تعصباً منه للباطل بعد أن رأى الحق بعينيه، فما أشد همجية عمر، وما أشد ازدراءه لكرامة الجنس البشري لأنه قال:"تهددني العبد"! ثم تركه حراً حتى ارتكب جريمته فقتل خليفة المسلمين، لأنه لم يكن يملك عليه سلطاناً قبل أن يقترف الجريمة .
وقصة الملونين في أفريقيا، وحرمانهم من حقوقهم البشرية وقتلهم أو"اصطيادهم"حسب تعبير الجرائد الإنجليزية الوقحة، لأنهم تجرأوا فأحسوا بكرامتهم وطالبوا بحريتهم، هذا هو العدل البريطاني في قمته، والحضارة الإنسانية في أوجها، والمبادئ السامية التي تجيز لأوربا الوصاية على العالم. أما الإسلام فهو همجي جداً لأنه لم يتعلم"اصطياد"البشر، والتلهي بقتلهم لأنهم سود البشرة. بل وصل توغله في التأخر والانحطاط أن يقول:"اسمعوا وأطيعوا ولو استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة .."
أما المرأة فلها حساب آخر .
كان الإسلام قد أباح للسيد أن يكون عنده عدد من الجواري من سبى الحرب [39] يستمتع بهن وحده، ويتزوج منهن أحياناً إذا شاء. وأوربا تستنكر هذا اليوم وتتعفف عن هذه الحيوانية البشعة التي تعتبر الجواري متاعاً مباحاً، وأجساداً لا حرمة لها ولا كرامة، كل مهمتها في الحياة إشباع لذة بهيمية بغيضة، لرجل لا يرتفع عن مستوى الحيوان .
وجريمة الإسلام الحقيقية في هذا الأمر أنه لا يبيح البغاء! فقد كانت أسيرات الحرب في البلاد الأخرى يهوين إلى حمأة الرذيلة بحكم أنه لا عائل لهن، ولأن سادتهن لا يشعرن نحوهن بحمية العرض، فيشغلونهن في هذه المهمة البغيضة، ويكسبون من هذه التجارة القذرة: تجارة الأعراض. ولكن الإسلام - المتأخر - لم يقبل البغاء، وحرص على حفظ المجتمع نظيفاً من الجريمة، فقصر هؤلاء الجواري على سيدهن، عليه إطعامهن وكسوتهن وحفظهن من الجريمة، وإرضاء حاجتهن الجنسية - عرضاً - وهو يقضي حاجته .
أما ضمير أوربا فلا يطيق هذه الحيوانية... ولذلك أباحت البغاء ومنحته رعاية القانون وحمايته! وراحت تنشره عامدة في كل بلد وطئته أقدامها مستعمرة. فما الذي تغير من الرق حين تغير عنوانه؟ وأين كرامة البغي وهي لا تملك رد طالب - وما يطلبها أحد إلا لأقذر معنى يمكن أن تهبط إليه البشرية: دفعة الجسد الخالصة التي لا تلطفها عاطفة، ولا ترتفع بها روح؟ وأين من هذه القذارة الحسية والمعنوية ما كان بين السادة والجواري في الإسلام؟