فهرس الكتاب

الصفحة 2243 من 3657

روى مسلم عن أنس ابنها: أنَّ أُم سليم اتخذت يوم"حُنَين"خنجراً، فكان معها، فرآها أبو طلحة (زوجها) فقال: يا رسول الله؛ هذه أُم سليم معها خنجر! فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما هذا الخنجر"؟ قالت: اتخذته، إن دنا مني أحد المشركين بقرتُ به بطنه! فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك16.

وقد عقد البخاري باباً في"صحيحه"في غزو النساء وقتالهن.

ولم يقف طموح المرأة المسلمة في عهد النبوة والصحابة للمشاركة في الغزو عند المعارك المجاورة والقريبة في الأرض العربية كخبير وحُنَين، بل طمحن إلى ركوب البحار، والإسهام في فتح الأقطار البعيدة لإبلاغها رسالة الإسلام.

ففي صحيح البخاري ومسلم عن أنس: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: عند أُم حرام بنت ملحان (خالة أنس) يوماً، ثم استيقظ وهو يضحك، فقالت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال:"ناس من أُمتي عُرِضوا علىَّ غزاة في سبيل الله، يركبون ثبج هذا البحر، ملوكاً على الأَسِرَّة ـ أو مثل الملوك على الأَسِرَّة"، قالت: فقلت: يا رسول الله؛ ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها17.. فركبت أُم حرام البحر في زمن عثمان، مع زوجها عبادة بن الصامت إلى قبرص، فصُرِعت عن دابتها هناك، فتوفيت ودُفِنت هناك، كما ذكر أهل السير والتاريخ.

وفي الحياة الاجتماعية شاركت المرأة داعية إلى الخير، آمرة بالمعروف، ناهية عن المنكر، كما قال تعالى: (وَالمُؤمِنُونَ وَالمُؤمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْليَاءُ بَعْضٍ يَأمُرُونَ بِالمَعرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ...) (التوبة/71) .

ومن الوقائع المشهورة رد إحدى المسلمات على عمر في المسجد في قضية المهور، ورجوعه إلى رأيها علناً، وقوله:"كل الناس أفقه من عمر"!. وقد ذكرها ابن كثير في تفسير سورة النساء ونسبها إلى أبي يعلى في مسنده، وقال: إسنادها جيد قوي18.

وفي رواية عند عبد الرزاق أن عمر قال: إن امرأة خاصمت عمر فخصمته19!: أي غلبته.

وقد عيَّن عمر في خلافته الشِفاء بنت عبد الله العدوية محتسبة على السوق. والمتأمل في القرآن الكريم وحديثه عن المرأة في مختلف العصور، وفي حياة الرسل والأنبياء لا يشعر بهذا الستار الحديدي الذي وضعه بعض الناس بين الرجل والمرأة.

فنجد موسى ـ وهو في ريعان شبابه وقوّته ـ يحادث الفتاتين ابنتي الشيخ الكبير، ويسألهما وتجيبانه بلا تأثم ولا حَرَج، ويعاونهما في شهامة ومروءة، وتأتيه إحداهما بعد ذلك مرسِلة من أبيها تدعوه أن يذهب معها إلى والدها، ثم تقترح إحداهما على أبيها بعد ذلك أن يستخدمه عنده؛ لما لمست فيه من قوة وأمانة.

لنقرأ في ذلك ما جاء في سورة القصص: (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلتَ إلىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ، فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِن أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظَّالمِينَ، قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَأَبَتِ اسْتَئْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مِنَ استَئْجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ) (سورة القصص/23-26) .

وفي قضية مريم نجد زكريا يدخل عليها المحراب، ويسألها عن الرزق الذي يجده عندها: (كلما دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَريَّا المِحْرَابَ وَجَدَ عِنَدهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالتَ هُوَ مِنَ عِنَد اللهِ أَنَّ اللهَ يَرْزُقُ مِنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (سورة آل عمران/37) .

وفي قصة ملكة سبأ نراها تجمع قومها تستشيرهم في أمر سليمان:

(قَالَت يَأَيُّهَا المَلَؤُا أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ، قَالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِليْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ، قَالَتْ إِنَّ المُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعزَّةَ أَهْلِهَا أَذلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) (سورة النمل/32-34) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت