فهرس الكتاب

الصفحة 2242 من 3657

والذي أود أن أذكره هنا: أنَّ الواجب علينا أن نلتزم بخير الهَدْى، وهو هَدْى محمد صلى الله عليه وسلم، وهَدْى خلفائه الراشدين، وأصحابه المهديين، الذين أُمِرنا أن نتبع سُنَّتهم، وأن نعض عليها بالنواجذ، بعيداً عن نهج الغرب المتحلل، ونهج الشرق المتشدد.

والمتأمل في خير الهَدْى يرى: أن المرأة لم تكن مسجونة ولا معزولة، كما حدث ذلك في عصور تخلف المسلمين.

فقد كانت المرأة تشهد الجماعة والجمعة، في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنها: صلاة العشاء وصلاة الفجر، وكان عليه الصلاة والسلام يحثهن على أن يتخذن مكانهن في الصفوف الأخيرة خلف صفوف الرجال، وكلما كان الصف أقرب إلى المؤخرة كان أفضل، خشية أن تظهر من عورات الرجال شيء، وكان أكثرهم لا يعرفون السراويل، ولم يكن بين الرجال والنساء أي حائل من بناء أو خشب أو نسيج، أو غيره....

وكانوا في أول الأمر يدخل الرجال والنساء من أي باب اتفق لهم، فيحدث نوع من التزاحم عند الدخول والخروج، فقال عليه الصلاة والسلام:"لو تركنا هذا الباب للنساء"9، فخصَّصوه بعد ذلك لهن، وصار يُعرف إلى اليوم باسم"باب النساء".

وكان النساء في عصر النبوة يحضرن الجمعة، ويسمعن الخُطبة، حتى إنَّ إحداهن حفظت سورة"ق"من فِي رسول الله صلى الله عليه وسلم من طول ما سمعتها من فوق منبر الجمعة.

وكان النساء يحضرن كذلك صلاة العيدين، ويشاركن في هذا المهرجان الإسلامي الكبير، الذي يضم الكبار والصغار، والرجال والنساء، في الخلاء مهلِّلين مكبِّرين.

روى مسلم عن أُم عطية قالت:"كنا نؤمر بالخروج في العيدين، والمخبأة والبِكر".

وفي رواية قالت:"أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نُخرجهن في الفِطر والأضحى: العواتق والحُيَّض وذوات الخدور، فأما الحُيَّض فيعتزلن الصلاة، ويشهدن الخير ودعوة المسلمين، قلت: يا رسول الله؛ إحدانا لا يكون لها جلباب، قال:"لِتُلْبِسْهَا أُختها من جلبابها"10."

وهذه سُنَّة أماتها المسلمون في جُلِّ البلدان أو في كلها، إلا ما قام به مؤخراً شباب الصَحْوة الإسلامية الذين أحيوا بعض ما مات من السُنَن مثل سُنَّة الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، وسُنَّة شهود النساء صلاة العيد. وذلك في بعض البلدان الإسلامية التي قويت فيها الصَحْوة وارتفعت رايتها.

وكان النساء يحضرون دروس العلم، مع الرجال عند النبي صلى الله عليه وسلم، ويسألن عن أمر دينهن مما قد يستحي منه الكثيرات اليوم، حتى أثنت عائشة على نساء الأنصار، أنهن لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين، فطالما سألن عن الجنابة والاحتلام والاغتسال والحيض والاستحاضة ونحوها.

ولم يشبع ذلك نهمهن لمزاحمة الرجال واستئثارهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، فطلبن أن يجعل لهن يوماً يكون لهنَّ خاصة، لا يغالبهنَّ الرجال ولا يزاحمونهم وقلن في ذلك صراحة:"يا رسول الله؛ قد غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يوماً من نفسك"فوعدهنَّ يوماً، فلقيهنَّ فيه ووعظهنَّ وأمرهنَّ11.

وتجاوز هذا النشاط النسائي إلى المشاركة في المجهود الحربي في خدمة الجيش والمجاهدين، بما يقدرنَ عليه ويحسنَّ القيام به، من التمريض والإسعاف، ورعاية الجرحى والمصابين، بجوار الخدمات الأُخرى من الطهي والسقي وإعداد ما يحتاج إليه المجاهدون من أشياء مدنية.

عن أُم عطية قالت:"غزوتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، سبع غزوات، أخلفهم في رحالهم، فأصنع لهم الطعام وأداوي الجرحى، وأقوم على المرضى"12.

وروى مسلم عن أنس:"أن عائشة وأُم سليم، كانتا في يوم أُحُد"مشمِّرتين، تنقلان القِرَب على متونهما (ظهورهما) ثم تفرغانها في أفواه القوم، ثم ترجعان فتملآنها"13، ووجود عائشة هنا ـ وهي في العقد الثاني من عمرها ـ يرد الذين ادّعوا أنَّ الاشتراك في الغزوات والمعارك كان مقصوراً على العجائز والمتقدمات في السن، فهذا مُسَلَّم. وماذا تغني العجائز في مثل هذه المواقف التي تتطلب القدرة البدنية والنفسية معاً؟"

وروى الإمام أحمد: أنَّ ست نسوة من نساء المؤمنين كنَّ مع الجيش الذي حاصر"خيبر": يتناولن السهام، ويسقين السويق، ويداوين الجرحى، ويغزلن الشَّعر، ويعنَّ في سبيل الله، وقد أعطاهنَّ النبي صلى الله عليه وسلم نصيباً من الغنيمة14.

بل صحّ أن نساء بعض الصحابة شاركن في بعض الغزوات والمعارك الإسلامية بحمل السلاح، عندما أُتيحت لهنَّ الفرصة، ومعروف ما قامت به أُم عمارة نسيبة بنت كعب يوم"أُحُد"حتى قال عنها صلى الله عليه وسلم:"لمقامها خير من مقام فلان وفلان"15.

وكذلك اتخذت أُم سليم خنجراً يوم"حُنَين"، تبقر به بطن مَن يقترب منها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت