فهرس الكتاب

الصفحة 2246 من 3657

أما الصنف الأول: الذي يزعم أنه يكتفي بالقرآن ولا يتقيد بالسنة فأمره واضح بين، إذ هو لا يلتزم بالسنة ولا بالقرآن معا، لأنه لوا التزم بالقرآن لالتزم بالسنة نزولا عند قوله تعالى: { من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا } ، {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما } ، { وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى } .

وفي سنن ابي داود بسنده عن المقدام بن معد يكرب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه. ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السبع ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه ) ).

هؤلاء أمرهم بين، ينتسبون إلى الإسلام زورا وبهتانا.

يقول الإمام الشعراني: (سمعت سيدي عليا الخواص رحمه الله تعالى يقول: لولا أن السنة بينت لنا ما أجمل في القرآن ما قدر أحد أن يستخرج أحكام المياه والطهارة، ولا عرف كيف يكون الصبح ركعتين والظهر والعصر والعشاء أربعا، ولا كون المغرب ثلاثا، ولا كان أحد يعرف ما يقال في دعاء التوجه والافتتاح، ولا عرف صفة التكبير، ولا أذكار الركوع والسجود، والاعتدالين، ولا ما يقال في جلوس التشهدين ولا كان يعرف كيفية صلاة العيدين والكسوفين، ولا غيرهما من الصلوات كصلاة الجنازة، والاستسقاء، ولا كان يعرف الزكاة ولا أركان الصيام والحج، والبيع والنكاح والجراح والأقضية وسائر أبواب الفقه) .

الصنف الثاني: وهو من يذهب إلى الطرف الآخر من القضية في أقصاه، فيلتزم بالسنة التي هي أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته، ولكنه لا يفرق فيها بين الأحكام الشرعية الخمسة التي قدمناها فيخلط بين الفرض والمندوب، فيراه فرضا كله والمكروه والمحرم فيراه محرما كله، ويدخل المباح تارة هنا وتارة هناك.

فهؤلاء - مثلا - يستمعون إلى سنة الرسول صلى الله عليه وسلم في لعق الأصابع عند الأكل فيأخذون بذلك في جميع الأحوال كأنه فرض، ويستمعون إلى سنته صلى الله عليه وسلم في التوضؤ بحفنة من الماء فيأخذون بذلك في جميع الأحوال كأنه فرض كذلك.

لابد من النظر في ضوء أصول الفقه في تحديد معنى الأمر ومعنى النهي ومعنى الوجوب ومعنى الإباحة إلخ.

وفي ضوء أسباب الواقعة، التي تفسر معناها ولا تحبسه، يقول أستاذنا الدكتور موسى شاهين لاشين في بحثه القيم الذي اعتمدنا عليه في هذه المقال:

نعم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بالمد أي بحفنة من الماء، وكان يغتسل بأربع حفنات فهذا تشريع ولكنه ليس للوجوب بالذات، وإنما هو يدور بين الوجوب والندب والإباحة بحسب الظروف، والملابسات. ولو عاش صلى الله عليه وسلم على ضفاف نهر مثلا لتوضأ بأكثر من حفنة ماء، ولاغتسل بأكثر من أربع حفنات.

وكان صلى الله عليه وسلم يعد سلاحه لملاقاة الأعداء بالسيف والرمح والنبل، فهذا تشريع ولكنه ليس للوجوب بالذات، ولكنه يدور بين أحكام الشريعة الخمس، بحسب الملابسات، ولو عاش في زماننا لما قصر صلى الله عليه وسلم عن الإعداد بأقصى مظاهر القوة العسكرية الحديثة.

إن بعض مشكلات الإسلام اليوم هي في بعض أهله ممن يفرطون، أو يفرطون، فليس من الإسلام في شيء ما نسمع عنه اليوم من أن بعض الدعاة يذهب إلى أوربا أو أمريكا ليدعو إلى الإسلام فيأكل على الأرض، وبالأصابع، فالحق أن هذا تنفير من الإسلام وليس دعوة إليه ولا فهما له.

إن مشكلة الإسلام مع هؤلاء في أنهم يدخلون جميع أفعاله صلى الله عليه وسلم في باب الوجوب أو الإلزام، بينما هي قد تكون من التشريع بالندب، أو من التشريع بالإباحة، أو غير ذلك من أحكام التشريع.

والصنفان السابقان: من يرفضون السنة جملة وتفصيلا، ومن ياخذون بها دون تفرقة بين الأحكام الشرعية الخمسة - أمرهما هين في كشف خطرهما أو انحرافهما، فالأول الذي ينكر السنة في باب التشريع إجمالا، كافر غير مسلم، والثاني الذي لا يميز فيها بين الفرض والمندوب والمحرم والمكروه والمباح أمره خطير ولكنه أقل خطرا من أولئكم. فهم مسلمون متشددون فيما لا موضع للتشديد فيه، ويمكن كشف خطرهما بشيء من الفقه والتعليم.

وهناك صنف ثالث: برز في العقود الأخيرة يزعم أن منها ما هو للتشريع فيؤخذ به، ومنها ما هو لغير التشريع فلا يؤخذ به، وهذه مقولة بالغة الخطر، وخطرها من نعومتها وشدة التلبيس فيها.

يقول الأستاذ الدكتور موسى شاهين لاشين ردا على هؤلاء مبينا أن السنة كلها تشريع:"ولم يخالف في ذلك أحد من علماء المسلمين طوال أربعة عشر قرنا، حتى كان النصف الثاني للقرن الرابع عشر للهجرة، فكان أول من قسم السنة إلى تشريع وغير تشريع فضيلة الشيخ محمود شلتوت في كتابه"الإسلام عقيدة وشريعة"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت