يذهب الشيخ شلتوت: إلى أن ما ورد من أقواله صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته قد يأتي بعضه: على ما سبيله سبيل الحاجة البشرية كالأكل والشرب والمشي والتزاور والمصالحة بين شخصين. وما سبيله التجارب والعادة الشخصية، أو الاجتماعية كالذي ورد في شئون الزراعة والطب وطول اللباس أو قصره. وما سبيله التدبير الإنساني في ظروف خاصة كتوزيع الجيوش على المواقع الحربية. وكل هذه الأنواع ليس شرعا يتعلق به طلب الفعل أو تركه، وإنما هو من الشئون البشرية التي ليس مسلك الرسول فيها صلى الله عليه وسلم"تشريعا ولا مصدر تشريع".
ويقول الشيخ موسى شاهين لاشين: وعن الشيخ شلتوت أخذ كثير من المعاصرين فيما كتبوه عن السنة وتقسيمها إلى تشريعية وغير تشريعية. والذين ساروا في ركاب الشيخ شلتوت هم حتى اليوم لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة.وهؤلاء بحسن نية في بعض الأحيان يفتحون في الشريعة الإسلامية ثغرة يحسبونها هينة وهي منفذ خطير لأعداء الشريعة الإسلامية.
خصوصا وأن القضية بدأت أولا ؛ بإخراج ما سبيله الحاجة البشرية كالأكل والشرب من التشريع، ثم انتهت إلى إخراج كل ما يتعلق بالمعاملات التي لم ترد في القرآن الكريم، فيذهبون إلى أن المعاملات في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ليست خاضعة للتشريع، وإنما هي صادرة عن اجتهادات بشرية يجوز لمن يأتي بعده أن يجتهد مثله، وأن يخالفه في أفعاله وتقريراته وأفعاله وبخاصة ما جاء منها في المعاملات التي لم ترد في القرآن الكريم - ولو أدى اجتهاده إلى غير ما قرره الرسول صلى الله عليه وسلم باجتهاده - وفقا لعبارة الدكتور عبد المنعم النمر في كتابه"السنة والتشريع ص 46"ويحصر السنة التشريعية في دائرة ضيقة بقوله: (نسارع فنقرر أن كل ما صدر عن الرسول من شئون الدين والعقيدة والعبادة والحلال والحرام والعقوبات والأخلاق والآداب لا شأن لنا به إلا من ناحية فهمه) ، ثم يقول: (لكن هناك أحاديث كثيرة تتصل بمعاملات الناس في الحياة من بيع وشراء ورهن وإجارة وقراض وسلم) ، كل ذلك لا يراه من التشريع وإن جاء في السنة، ثم يقرر أن المعاملات تخضع في الإسلام أولا وأخيرا لمبدأ المصلحة. وعلى هذا النحو جاءت كتابات العلمانيين من نحو نور فرحات، ومحمد خلف الله أحمد، وحسين أحمد [2]
وهو لم يكتف بما اكتفى به الشيخ شلتوت من إخراج ما سبيله الحاجة البشرية كالأكل والشرب، وإنما أخرج المعاملات جميعا، ولم يفرق في ذلك بين واجب ومندوب، أو مباح ومحرم، أو مكروه، وحكم على ما يقرب من نصف السنة بأنه ليس من التشريع.
ومن الواضح ما يمثله هذا التوجه من خطر على الشريعة الإسلامية: ينسفها أولا في المعاملات، ويبقيها في العبادات ليجهز بعد ذلك على المعاملات والعبادات جميعا. وهذه هي الغاية التي تنتهي إليها العلمانية في أقصى حالاتها. وهؤلاء يأتي الرد عليهم بعد نبذة سريعة عن الصنف الرابع.
الصنف الرابع: وهم المسلمون منذ عصر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قريب من عهدنا الحاضر، فهؤلاء يؤمنون بأن السنة كلها تشريع: إيمانا بما جاء عن ذلك في القرآن الكريم: { وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما } ، { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب } ، { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا } ، { وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى } .
يقول الأستاذ الدكتور عبد الغني عبد الخالق: (كل ما تلفظ به رسول الله صلى الله عليه وسلم - ما عدا القرآن - أو ظهر منه من ابتداء رسالته إلى نهاية حياته فهو من سنته، سواء ما أثبت حكما عاما لسائر أفراد الأمة، وهذا هو الأصل، أو ما أثبت حكما خاصا به أو ببعض أصحابه، وسواء أكان فعله جبليا أم كان غير جبلي، من قول أو فعل يصدر عنه إلا ويثبت حكما شرعيا، بقطع النظر عن كونه إيجابا أو ندبا أو تحريما أو كراهة أو إباحة) .
يقول ابن تيمية رحمه الله: (كل ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم - بعد النبوة - أو أقرعليه أو فعله ولم ينسخ فهو تشريع. والتشريع يتضمن الإيجاب والتحريم والإباحة، ويدخل في ذلك ما دل عليه من المنافع في الطب، فإنه يتضمن إباحة الدواء، والانتفاع به فهو شرع لإباحته، وقد يكون شرعا لاستحبابه، والمقصود أن جميع أقواله يستفاد منه شرع) .
لقد ذهب جمهور الأصوليين إلى أن فعل الرسول صلى الله عليه وسلم يدل - على الأقل - على الإذن به، مطلق الإذن الذي يشمل الوجوب والندب والإباحة، ما لم يوجد دليل على تعيين واحد منها. وقال بعضهم: يفيد الوجوب ما لم توجد قرينة مانعة منه. وقال بعضهم يفيد الاستحباب ما لم توجد قرينة مبينة للوجوب. ومن ذلك يتبين الإجماع على كونه تشريعا.