ومن المعتزلة من ينفي أن الإباحة من الأحكام الشرعية - كما نقل عنهم الغزالي في المستصفى - إذ معنى المباح رفع الحرج عن الفعل والترك وذلك ثابت بالعقل قبل السمع، وقد ناقشهم الغزالي بما يثبت كون الإباحة داخلة في أحكام الشرع باعتبار أو آخر. وموقفنا في هذا المقال يركن إلى عدم الدخول في هذا الخلاف، لأن كلامنا في أن السنة كلها تشريع يتجه إلى ما جاء بالسنة لا إلى ما لم يأت بها، وهذا الأخير ما نترك التوسع فيه للأصوليين.
ومن هنا فإنه كما يرى الأستاذ الدكتور موسى شاهين لا شين في بحثه القيم في صميم هذا الموضوع [3] : لا خلاف لنا هنا مع المعتزلة فيما جاء من الإباحة على الأصل المعقول قبل مجيء الشرع، وكلامنا فيما جاء فيه نص أو سنة، فهو مما اجتمع عليه الدليلان العقلي والنقلي معا.
إن الإباحة تعني تكليفا وتشريعا لا بأحد المباحات دون غيره، ولكنه تكليف بالتحرك في دائرته، يقول الإمام الشاطبي: (المباح وإن كان ظاهره الدخول تحت اختيار المكلف لكنه إنما دخل بإدخال الشارع له تحت اختياره) ، أي إنه إنما كان مباحا بحكم الشارع لا بحكم المكلف.
وأليس المباح عندما يتناوله المسلم كما تناوله الرسول صلى الله عليه وسلم بنية الاقتداء به ومحبته ألا يعتبر عندئذ داخلا في حكم التشريع بالندب والاستحباب؟
وأليس المباح الذي فعله الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يظن البعض كالاكتحال وصبغ الشعر وتضفيره أفاد تشريعا بالإباحة لولاه لاجتهد مجتهدون بالتحريم أو الكراهة؟
وأليس تناول المباح موجبا للأجر إذا تناوله المسلم باعتباره مما أباحه الشارع، أو باعتباره مساعدا على البعد عن الحرام؟ إذن فهو تشريع، وهذا مقتضى قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم بسنده عن أبي ذر أن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور. يصلون كما نصلي. ويصومون كما نصوم. ويتصدقون بفضول أموالهم. قال: (( أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة. وكل تكبيرة صدقة. وكل تحميدة صدقة. وكل تهليلة صدقة. وأمر بالمعروف صدقة. ونهي عن منكر صدقة. وفي بضع أحدكم صدقة ) )قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: (( أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر ) ).
والمباح نفسه ألا يعني التكليف بوجه من الوجوه ؛
فالأكل والشرب واجب في أصله وجملته، يحرم الامتناع عنه مدة تعرض النفس للهلاك، والاختيار إنما هو في المأكول والبدائل والملابسات فيه.
واللباس واجب في أصله يحرم التجرد منه نهائيا، والاختيار إنما هو في بدائل الملبوس وملابساته { يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين، قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون } .
أما إذا كان المقصود بأن بعض أفعاله صلى الله عليه وسلم ليست تشريعا يعني أنها غير ملزمة أي غير واجبة فهذا صحيح بشروطه، ولا خلاف عليه إجمالا، لكنه لا يعني أنه لا يفيد حكما شرعيا على الإطلاق سواء بالوجوب أو بالندب أو بالكراهة إلخ، فهذا باب خطير من أبواب اختراق الشريعة الإسلامية بالاجتهاد المغلوط.
وكما يقول أستاذنا الدكتور موسى شاهين لاشين: (إن باب الشر المغلق إذا كسر غلقه لم يؤمن انفتاحه على مصراعيه، ومعظم النار من مستصغر الشرر، وسلب التشريع عن عشرة من أفعاله صلى الله عليه وسلم يتيح الفرصة لآخرين: تسلبها عن عشرين، ثم عن مائة، ثم عن المعاملات كلها، ثم عن الشريعة كلها) جزاه الله خيرا.
[1] الميزان للشعراني ج1 ص 49.
[2] أنظر بحث الأستاذ الدكتور موسى شاهين لاشين السابق ص 33.
[3] بحث بعنوان"السنة كلها تشريع"بمجلة كلية الشريعة بجامعة قطر العدد العاشر.
الكاتب: أ.د محمود حمدى زقزوق، وزير الأوقاف
الرد على الشبهة:
1 ـ يُعد الإسلام أول من نادى بحقوق الإنسان وشدد على ضرورة حمايتها. وكل دارس للشريعة الإسلامية يعلم أن لها مقاصد تتمثل في حماية حياة الإنسان ودينه وعقله وماله وأسرته. والتاريخ الإسلامى سجل للخليفة الثانى عمر بن الخطاب مواجهته الحاسمة لانتهاك حقوق الإنسان وقوله في ذلك:"متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا"؟.