فهرس الكتاب

الصفحة 2249 من 3657

وكان صلى الله عليه وسلم يصوم في السفر وبعض أصحابه يفطر، وكان يفطر وبعض أصحابه يصوم، كما أخرجه البخاري، أليس هذا تشريعا بأحد الأحكام الخمسة؟

وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالتلحي في العمة - أي بتطويقها تحت الحنك - كما ذكره ابن قتيبة، أليس هذا تشريعا بأحد الأحكام الخمسة؟

وقد يحزن صلى الله عليه وسلم فيأتي في حزنه بما لا يعتبر واجبا ولكنه يعتبر تشريعا بالإباحة كالبكاء ودمع العينين.

وقد يضحك فيأتي في ضحكه بما يعتبر تشريعا بالتبسم صلى الله عليه وسلم، أليس هذا تشريعا بأحد الأحكام الخمسة؟

وقد يعبس صلى الله عليه وسلم أليس هذا تشريعا بأحد الأحكام الخمسة؟

وقد يغضب صلى الله عليه وسلم فيأتي في غضبه بما يعتبر تشريعا بأحد الأحكام الخمسة؟

وقد ينسى صلى الله عليه وسلم فيأتي بعد نسيانه بما يعتبر تشريعا بأحد الأحكام الخمسة؟

وإن ما يجري في الأكل والشرب يجري مثله في الأفعال الجبلية أو العادية الأخرى له صلى الله عليه وسلم كاللباس فلبسه صلى الله عليه وسلم للإزار، والرداء، والجبة الشامية، والقميص، والبرنس، والسراويل والعمامة، وتقنع، وعصب رأسه بخرقة فوق العمامة، ولبس على رأسه المغفر، والعمامة السوداء، والبردة النجرانية، والحبرة، والبردة اليمانية والشملة إلخ... أفلا يعتبر ذلك تشريعا بأحد الأحكام الخمسة؟

وكان الصحابة رضي الله عنهم يؤمنون بذلك - أي بأن أفعاله تشريع: لبس نعله صلى الله عليه وسلم في الصلاة فلبسوا نعالهم، فلما خلع نعله - لسبب لا يعلمونه - خلعوا نعالهم.

ولما رأوه صلى الله عليه وسلم يمتنع عن أكل الثوم امتنعوا حتى أباح لهم.

ولما رأوه صلى الله عليه وسلم يمتنع عن أكل الضب - لسبب لا يعلمونه أيضا - أوشكوا أن يمتنعوا حتى أباح لهم.

وكانوا في الأفعال الجبلية يقضون حاجاتهم جماعات يرى بعضهم بعضا ويكلم بعضهم بعضا، فعلمهم التواري والتستر وعدم الكلام، وكان بعضهم يبول قائما فعلمهم الجلوس. [أخرجه النسائي وابن ماجة] .

وإذا كان بعض الصحابة لم يصبغوا شيبتهم - مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا إلى ذلك - مخالفة لليهود والنصارى - فليس معنى هذا أن سنته صلى الله عليه وسلم في ذلك ليست تشريعا بالمعنى العام، ولكن معناه أنه ليس تشريعا بالوجوب، ويظل بعد ذلك داخلا في التشريع بالندب أو التشريع بالإباحة

أليس إذا اختلف أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم في فعل من الأفعال أنه محظور أو مباح ثم نقل الناقل في موضوع اختلافهم فعلا للنبي صلى الله عليه وسلم، ألا يدل ذلك على حسم الخلاف؟

وكانوا لا يؤاكلون الحائض ولا يأكلون مما عملت يداها ولا يخالطونها ولا يلامسونها فكان هو صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك كله - كما أخرجه مسلم - تشريعا بالإباحة؟

أليست الإباحة من أقسام الحكم الشرعي:

طبقا لتعريف الحكم الشرعي كما عرفه الأصوليون من أهل السنة بأنه خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييرا أو وضعا فإن الإباحة حكم شرعي، وهو على كل حال شيء والحرية شيء آخر، ومن الخطأ الاستدلال به على قيمة الحرية في الإسلام كما وجدنا في مناقشة هذا الموضوع في حلقة الشريعة والحياة بقناة الجزيرة [في 11102003] .

المباح - كما عرفه الآمدي: ما دل الدليل السمعي على خطاب الشارع بالتخيير فيه بين الفعل والترك، فهو إذن تشريع.

وهو - كما عرفه الجويني: ما خير الشارع فيه بين الفعل والترك من غير اقتضاء ولا زجر ولا حكم عقلي قبل ورود الشرع.

فالإباحة حكم شرعي لم يخالف في ذلك إلا بعض المعتزلة.

والمراد بالاقتضاء الطلب سواء كان طلبا بالإيجاب، أو بالندب، أو بالتحريم أو بالكراهة.

والمراد بالتخيير ما كان تخييرا بين فعل الشيء أو تركه دون ترجيح لأحد الجانبين على الآخر، والذي يترتب على هذا هو الإباحة، فيصير المكلف مخيرا بين الفعل والترك ويسمى الفعل مباحا.

وقد أطلق بعض الأصوليين اسم الحكم التكليفي على الحكم التخييري - كما هو على الحكم الاقتضائي - ويرجع ذلك فيما يرى الأستاذ الدكتور محمد سلام مدكور إلى عدة اعتبارات من بينها: أن المكلف ملزم باعتقاد إباحته، ولأنه يرد بأسلوب الأمر أحيانا كما في نحو قوله تعالى { كلوا واشربوا } ، { إذا حللتم فاصطادوا } ، وربما يرجع الأمر في هذا إلى ما ذهب إليه الأستاذ الدكتور موسى شاهين لا شين من أن بعض أحكام الإباحة واجبة التناول في أصلها كالأكل والشرب لا يجوز الامتناع عنه بإطلاق، ويرى الكعبي من الأصوليين أن المباح مطلوب، بل واجب، بناء على أنه به يحصل ترك الحرام، وما يحصل به ترك الحرام فهو واجب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت