( أتت ثياب من اليمن فوزعها أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه على الناس لكل مسلم ثوب وبقي ثوب لأمير المؤمنين فلبسه فوصل الثوب إلى ركبتيه فقال لابنه عبد الله: أعطني ثوبك الذي هو حصتك فأعطاه إياه فوصل عمر ثوبه بثوب ابنه عبد الله ولبسهما وصعد يخطب في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس اسمعوا لما سوف أحدثكم عنه...فيصرخ سلمان الفارسي: والله لا نسمع ولا نعي - رجل يقاطع الخليفة أمير المؤمنين رجل فارسي ليس بقرشي ولا هاشمي ولا عربي ولا هو من قرابة الخليفة-
فيقول عمر: ولم؟
فيرد سلمان: لأنك تلبس ثوبين وتلبسنا ثوباً واحداً ، أين العدالة؟
فقال عمر: يا عبد الله: قم فأجب.
فقام عبد الله والناس سكوت فقال: إن أبي رجل طويل لايكفيه ثوب فأعطيته ثوبي ، فوصله بثوبه ولبسهما.
فهنا قال سلمان: يا أمير المؤمنين الآن قل نسمع وأمر تطع ).
نعم إنها حقوق الإنسان إن من حقك أن تعيش محترماً في كلمتك وفي رأيك وفي بيتك وفي مالك لا تعيش خوفاً ولا بطشاً ولا إرهاباً ولا تخويفاً وهذا ما كفله الإسلام لجميع المسلمين على حد سواء لا فرق بين أبيض وأسود ولا غني وفقير ولا كبير وصغير ، الكل سواء في ميزان الإسلام.
فالله تعالى لا يضيع حق كل ذي حق وقد بعث رسله فبينوا الحقوق والواجبات وهاهو نبينا صلى الله عليه وسلم يقف في حجة الوداع ليذكر الناس بحقوقهم وواجباتهم فيقول: « أيها الناس إنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم » ، وهي وصية سيكررها صلى الله عليه وسلم في آخر خطبته تأكيداً لها وإبرازاً لخطورة الاعتداء على الأموال والدماء فيوم عرفة هو يوم الإعلان عن حقوق الإنسان فيه أعلن أبو القاسم صلى الله عليه وسلم حق الإنسان في الحياة وفي الملكية وفصَّل حقوق النساء وأنها إنسانة لها شأنها في المجتمع فهي تمثل نصف الأمة وتلد النصف الآخر إذاً هي أمة كاملة كفل لها الإسلام حقوقها فلها حق العشرة الحسنة وحق التعليم وحق اختيار الزوج .... وغيرها من الحقوق.
إن الإسلام كفل للإنسان كل حقوقه فانظر لحرمة الكعبة فإن لها حرمة عظيمة ولكن حرمة المؤمن عند الله أشد حرمة من الكعبة.
حقوق الإنسان في الإسلام من التأصل إلى التقنين
الأستاذ محمّد دكير [1]
انتشار الوعي الحقوقي في العالم
تعد قضية حقوق الإنسان من أهم القضايا التي احتلت الصدارة والاهتمام العالمي والمحلي. وذلك مباشرة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، حيث ظهرت الحاجة للسلم العالمي، وضرورة خلق توازن دولي، إضافة إلى سعي عدد من الشعوب لتحقيق استقلالها، وشروعها في بناء الدولة الوطنية، هذه الدولة التي واجهتها عدة مشاكل وعقبات مهمة، كان على رأسها الاختيارات السياسية والاقتصادية والايديولوجية التي تبين أن لها علاقة مباشرة بموضوع حقوق الإنسان.
هذه الاختيارات كان لها وقع مزدوج داخل العالم الإسلامي، فهي إلى جانب إسهامها في إحداث تغييرات جذرية في جميع البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية التقليدية، أحدثت تطوراً ملموساً في مجال الحقوق الإنسانية، إلاّ أنها، في المقابل، فجرت مجموعة من الإشكاليات التي عولجت، وتمت مناقشتها بشكل واسع تحت عناوين مختلفة مثل: الأصالة والمعاصرة، الخصوصية والعالمية، الهوية والغزو الثقافي، وغيرها من العناوين التي تدل على فداحة التحديات التي تعرض لها العالم الإسلامي، بعدما فقد السيطرة على حدوده السياسية والثقافية بالخصوص.
لقد وضع الإسلام في قفص الاتهام، مباشرة بعد الهزائم الحضارية التي توالت على العالم الإسلامي، واعتبر المسؤول الأول عن تخلف المسلمين. وطالبت فئات داخل العالم الإسلامي، منبهرة بالحضارة الغربية، بإبعاد الإسلام عن جميع مناحي الحياة، لأنه يشكل، من منظورها، عائقاً أمام التطور المطلوب. وقد وجدت هذه المطالبات من يدعمها على المستوى الفكري والأيديولوجي؛ إذ نجد أن مجموعة كبيرة من الكتابات التي أنجزت داخل مراكز البحث في الجامعات الغربية وخارجها، انصبت في إثارة الشبهات وتفجير القضايا الفكرية الحساسة، للتدليل على أن الإسلام يعد من أهم الأسباب في تخلف الأمة الإسلامية. وأن عدداً من تشريعاته ونظمه القانونية التقليدية المتوارثة، تسهم بشكل واضح في تكريس هذا التخلف عن ركب الحضارة.
كانت ردود الفعل مختلفة ومتعددة، بعد تحقيق التحرر السياسي وانطلاق عملية تجديد شاملة لجميع البنى، مواكبة في أحد جوانبها المهمة، عملية الدفاع عن الإسلام ونظمه التشريعية في مجالات الاقتصاد والسياسية والاجتماع، وتبرئته من الخلل الذي أصاب العقل المسلم الذي توقف عن الفعل الحضاري.