ومع التطور الذي عرفه مجال حقوق الإنسان، على المستوى العالمي، خلال العقود الخمسة الماضية، أضيف إلى التحديات السابقة تحد جديد، جعل الفكر الإسلامي الذي انشغل طويلاً بالدفاع عن النظم الإسلامية، يتوجه بسرعة نحو الإسهام بمعالجة قضايا حقوق الإنسان، لإبراز إسهام الإسلام في هذا المجال كذلك. وصولاً إلى تأكيد تفوق التشريع الحقوقي الإسلامي، وموافقة هذا التشريع ورؤاه الفكرية لحقوق الإنسان الشاملة.
لذلك فقد عرفت السنوات العشرون الأخيرة حركة نشطة في مجال التأليف الإسلامي في محاولة لتأصيل الحقوق الإنسانية. والكشف عن إسهام الإسلام في هذا المجال الذي حظي باهتمام كبير في الآونة الأخيرة.
وجاءت سرعة الاستجابة، من طرف الفكر الإسلامي، رد فعل مباشراً للتحدي الذي طرحته المواثيق والإعلانات العالمية، من جهة، وتصاعد وتيرة الاهتمام بحقوق الإنسان في العالم من جهة أخرى.
أهم التطورات العالمية في مجال حقوق الإنسان
الاهتمام بمجال حقوق الإنسان ليس وليد الآونة التي تلت الحرب العالمية الثانية، كما لا يمكن أن نرجعه إلى"حقبة زمنية معينة أو مترتبة عن أيديولوجية واحدة، ومحددة، وإنما هي (الحقوق) نتاج تراكمات تاريخية متتالية ومتعاقبة [2] ، و"ما خلفته العقائد الدينية من مبادئ تُبجَّل الإنسان وتعلي من قيمته وتنبذ العسف والظلم" [3] ."
إلاّ أن الاهتمام الغربي المعاصر، بهذا المجال، على مستوى التنظير والممارسة، وصولاً إلى تقنينه في مواثيق وإعلانات عالمية، جعل هذا الاهتمام يأخذ بعداً عالمياً لم يسبق له مثيل من قبل، وكان من نتائجه المهمة، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عن منظمة الأمم المتحدة سنة 1948م.
إن التطور الذي عرفه مجال الحقوق الإنسانية، على المستوى النظري بالخصوص، يرجع بالأساس إلى التطور السياسي الذي عرفته أوروبا، ومحاولة عدد من المفكرين والفلاسفة، الوقوف في وجه الاستبداد السياسي للدولة والكنيسة، من دون إغفال الموروث اليوناني والروماني الذي شكل الخلفية الفكرية لهؤلاء المفكرين، وهم يضعون المباحث السياسية ويطورونها. لقد شهدت أوروبا آنذاك صراعات دامية وطويلة من أجل:"إسقاط بعض المفاهيم السياسية التي تؤسس للاستبداد السياسي والديني، وتنكر على الإنسان الفرد كيانه وحقوقه" [4] . كفكرة الحق الإلهي التي كانت الكنيسة تروج لها، أو فكرة العناية الإلهية التي قامت عليها الشرعية السياسية للملوك والأباطرة.
من هنا بدأ الفكر الأوروبي، بعد صراع سياسي واجتماعي طويل ومضن، يصل إلى بعض النتائج، وكان من أهمها فصل الدين عن السياسة، ومحاولة وجود بدائل وأفكار تؤسس لعلاقة جديدة بين الدولة والمجتمع، على أساس ديني أو غيبي، ولكن على أسس واضحة وموضوعية، وذلك ليس لتحجيم الاستبداد السياسي فحسب، ولكن لتحرير الإنسان من قوة الدولة وسيطرتها المجحفة والمنتهكة لحقوقه الذاتية والواقعية. ويمكن الحديث هنا عن ثلاث نظريات طورت المجال السياسي الغربي ودفعت به إلى الأمام، ما كان له التأثير الكبير، ليس على مجال حقوق الإنسان بشكل عام فحسب. ولكن على الواقع السياسي الغربي المعاصر الذي شكلت هذه النظريات خلفيته الفلسفية والفكرية.
النظرية الأولى: فكرة القانون الطبيعي التي عرفها اليونان، وكانت تعني عندهم"وجود قانون ثابت لا يتغير مستمد من الطبيعة، ويتمثل بكشف العقل عن روح المساواة والعدل الكامنة في النفس" [5] . ثم انتقلت الفكرة إلى الرومان، لكنها ستعرف تطوراً على مستوى المضمون؛ وذلك عبر إضفاء طابع اللائكية عليها، مع فقهاء القرن السابع عشر الميلادي.
النظرية الثانية: العقد الاجتماعي، وهي كما صاغها لوك (ت 1704م) وروسو (ت 1770م) ، تقوم على مناهضة الحكم المطلق، في محاولة لترسيخ أسس الحكم الديمقراطي، وذلك باعتبارهما العقد الاجتماعي عقداً تبادلياً، يرتب حقوقاً وواجبات إزاء المحكومين والحاكمين [6] . وقد أسهمت هذه النظرية في تطور المذهب الفردي، بإقرار وجود حريات وحقوق طبيعية سابقة على المجتمع المنظم، يجب على السلطة عدم الاعتداء عليها. كما أسهمت في وضع الضمانات الدستورية والسياسية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وعموماً فقد جاءت الثورة الفرنسية معتمدة على مبادئ المذهب الفردي الحر. فأصدرت وثيقة إعلان حقوق الإنسان والمواطن سنة 1789م، متضمنة النص على الحرية والمساواة والملكية وحق الأمن وحق مقاومة الظلم [7] .
النظرية الثالثة: جاء منتسكيو، صاحب كتاب"روح القوانين"، ليعلن أن تحقيق العدل، داخل أي نظام سياسي، رهين بفصل السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية.
ومع هذه التجارب، وما واكبها من بحوث ودراسات فكرية، اهتمت بميدان الحريات العامة وحقوق الإنسان، تبلورت الرؤية الخاصة لدى الغرب (الرأسمالي) في مجال حقوق الإنسان.