فهرس الكتاب

الصفحة 2254 من 3657

استفاد المذهب الليبرالي (الرأسمالي) من الانتقادات التي وجهها له المذهب الاشتراكي الذي بدأ يتبلور تنظيراً وممارسة، ما دفع به نحو التطور والتوسع ليشمل ميادين جديدة، ظهرت أهميتها مع التطور الصناعي، كالحقوق الاقتصادية والاجتماعية المتعددة للطبقات العاملة، ما أضاف أبعاداً جديدة لمفاهيم حقوق الإنسان، وأعاد النظر في بعض الحقوق من حيث الأولوية والأهمية. وأدخل حقوقاً جديدة لم تكن معتبرة من قبل وبالتالي فالتطور الفكري والسياسي الذي عرفته أوروبا، بشطريها الرأسمالي والاشتراكي، إضافة إلى التجربة السياسية الأمريكية، قد نجم عنه تراكم هائل على مستوى التجربة والتنظير في مجال حقوق الإنسان. دفع به ـ أي هذا التراكم ـ ليفرض نفسه على المستوى العالمي، لتصبح المطالبة بحقوق الإنسان والدعوة إلى احترامها دعوة عالمية، تتبناها المؤسسات الدولية والوطنية وتسعى لاحترامها وفرضها [8] .

أمامَ هذا التراكم، نجد أن مجال حقوق الإنسان قد عرف تطوراً لا مثيل له من قبل، وأن الوعي أصبح ذا بعد عالمي، يؤثر في جميع المشاريع والتشريعات والاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي تقوم بها الدول في العالم ككل. وهذا مما وسع مجال التحدي أمام الفكر الإسلامي، الذي وجد نفسه مضطراً للدخول في معالجات وسجالات متعددة المناحي والأوجه، سنطلع على بعض ملامحها بعد قليل.

أما في العالم الإسلامي، وعلاوة على أصالة الحقوق الإنسانية في الإسلام، فهذه الحقوق محل إجماع عدد لا بأس به من المفكرين المسلمين والعرب، كما أن الدعوة للاهتمام بالحقوق الإنسانية كانت قد واكبت عمليات التحرر السياسي، حيث كان شعار الدفاع عن الحقوق الإنسانية، من أهم الشعارات التي رفعتها الحركات التحررية في وجه الاستعمار. وبعيد الاستقلال، عرفت هذه المطالب نوعاً من التوسع، وفجرت مشاكل وقضايا جديدة. يقول المحامي حسين ضناوى:"أصبحت قضية حقوق الإنسان داخلية وطنية تهدف لضمان عدم استبداد الحكام، وقيام أنظمة ديمقراطية ذات شرعية حقيقية" [9] إلاّ أن الاهتمام بحقوق الإنسان في العالم الإسلامي، سواء على المستوى التنظيري أم على مستوى الممارسة، لم تتضح معالمه إلاّ خلال العقدين الأخيرين، وذلك مع انتشار موجه التأليف والتأصيل وتوسعها في هذا الميدان من جهة، وظهور منظمات وهيئات محلية تختص بالدفاع عن حقوق الإنسان من جهة أخرى. إضافة إلى تطور التشريعات القانونية المعمول بها. وحجم الضغوط الدولية التي كان من آثارها مصادقة عدد كبير من الدول الإسلامية على بعض المواثيق الحقوقية الدولية، وإدخال بنودها ضمن التشريعات والقوانين المحلية المعتبرة عند التطبيق [10] .

لكن ما يلاحظ، وخصوصاً بالنسبة للعالم العربي، أن الاهتمام بهذا الميدان، وما أنتج، من مواثيق محلية، ومنظمات حقوقية [11] ، جاء من طرف بعض الشخصيات العلمية والأكاديمية، من حقوقيين ومفكرين. ولم يكن للدولة أو الأجهزة الرسمية أي نشاط فعال في هذا المجال، باستثناء الاهتمام المتواضع الذي أبدته جامعة الدول العربية، والذي أثمر إنشاء اللجنة الدائمة لحقوق الإنسان.

لكن، ومهما قيل عن تردي الوضع الحقوقي في العالمين العربي والإسلامي، فإن تطوراً إيجابياً يمكن تلمسه في صدور عدة بيانات حقوقية عربية وإسلامية، ومطالبة أصحابها بإدخالها ضمن التشريعات المحلية والنظم القانونية المعتبرة، وانتشار عدد كبير من المنظمات الحقوقية داخل العالم الإسلامي، وقد أخذت على عاتقها تطوير مجال الحقوق الإنسانية، بنشر الوعي الحقوقي، إلى جانب الكشف والتنديد بالخروقات التي تقع من طرف السلطات الحاكمة، أو غيرها من الجهات التي تملك وسائل القوة والقهر.

هذه التطورات، على المستويين العالمي والمحلي التي عرضنا لها باقتضاب، شكلت الخلفية الموضوعية، لانطلاق عملية التأصيل الإسلامي للحقوق الإنسانية، وتأثرت بإشكالاته التي يفجرها بين الحين والآخر.

ملاحظة لا يفوتنا ذكرها هنا، وتتعلق بالصحوة الإسلامية الشاملة التي اجتاحت العالم الإسلامي، منذ بداية هذا القرن، وصولاً إلى تشكل ملامحها الأساسية خلال العقدين الأخيرين. لأنها أسهمت إسهاماً فعلياً في تدعيم عملية التأصيل الحقوقي، وسرعت بتكاملها، لأن هذه الصحوة كانت قد عالجت عدداً من المواضيع في إطار دفاعها عن الإسلام والتبشير به، وتأكيد أفضليته من دون أن يكون العنوان الذي عولجت تحته هذه المواضيع حقوقياً. لكن توجه الفكر الإسلامي نحو التأصيل في مجال الحقوق، بخاصة، جعله يستفيد مما أنجز في مجالات فكرية إسلامية مختلفة.

إن قضية حقوق الإنسان مركبة ومتعددة الأبعاد والمداخلات، باختلاف جوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية والدينية. ومن ثم يمكن أن تدخل ضمن دائرة اهتمام العديد من فروع المعرفة وتخصصاتها [12] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت