لذلك فقد وجد الفكر الإسلامي نفسه، وهو يقوم بالتأصيل، يعرض للمذهب الإسلامي المتكامل في جميع مناحي الفعل الإنساني. لهذا كانت الصحوة الإسلامية التي سبقت هذا الاهتمام المتميز بهذا الحقل، رافداً مهماً ساعد، كما قلنا، في عملية التكامل السريع والشامل، وأنضج مبكراً عملية التنظير في هذا المجال. وصولاً إلى تقنين هذه الحقوق في مواثيق وإعلانات إسلامية، صدرت تباعاً خلال السنوات العشرين الماضية. وعليه لا بد من اعتبار الصحوة الإسلامية واقعاً موضوعياً داخلياً، أسهم إلى جانب التطور العالمي في بلورة المنظومة الحقوقية الإسلامية، التي سنعرض لأهم ملامحها بعد قليل.
التأصيل الإسلامي لحقوق الإنسان: الملامح والمميزات
قلنا، سابقاً، إن قضية حقوق الإنسان قضية مركبة ومتعددة الأبعاد، لذلك فقد وجد الفكر الإسلامي نفسه، وهو يقوم بعملية التأصيل لحقوق الإنسان، يعرض النظم الإسلامية في جميع المجالات. وهذه العملية فتحت عينيه على قضايا متعددة، وجعلته يتعرض لتحديات ذاتية جديدة. لأنه اصطدم، أثناء معالجة بعض القضايا الخاصة، بتجربة تاريخية طويلة، تعرض فيها تطبيق الإسلام، لمجموعة من الإخفاقات، إلى جانب بعض النجاحات بطبيعة الحال.
وقد شكلت هذه التجربة وموروثها الفكري، زخماً ساعد من جهة المفكر الإسلامي على الإحاطة بأبعاد التشريع الإسلامي عند التطبيق أو التنظير. لكنه وقف، من جهة أخرى، عائقاً أمام الفصل في عدد من القضايا، التي تبين أن التجربة التاريخية فيها كانت بعيدة جداً عن مقاصد الإسلام وشريعته، بالرغم من ترسانة التبريرات التي أوجدها العقل الاجتهادي الذي عايش هذه التجربة. لذلك يمكننا أن نؤكد على أن عملية التأصيل كانت تسير إلى جانب إعادة النظر في عدد من الوقائع التأريخية، بالتحليل والدفاع عن اجتهاد معين تارة، باعتباره يمثل وجهة نظر الإسلام الحقيقية التي طبقها المسلمون، أو بالنقد والرفض تارة أخرى. وفي مرات عدة ساد الاختلاف وبقيت مجموعة من المواضيع معلقة تنتظر الحسم.
لكن ظهرت بعض الكتابات التي انتهجت الموضوعية العلمية، لتؤكد على أن الانتقادات التي وجهت للإسلام، كان يجب في حقيقة الأمر أن توجه للتطبيقات الخاطئة التي وقعت، وإلى بعض الاجتهادات التي تأثرت بالظروف التاريخية الموضوعية. لذلك لا بد من التفريق هنا بين مبادىء النظام الإسلامي التي لا يشك أحد في أن مقاصدها تهدف إلى تحقيق واقع أفضل للإنسان في بعديه المادي والروحي، وبين وقائع التاريخ المحسوبة على الإسلام.
هذه الحقيقة التي أفصح عنها الفكر الحقوقي الإسلامي كانت مهمة جداً، لأنها ساعدت على تعميق المراجعة الشاملة التي يقوم بها الفكر الإسلامي، وهو يجدد نفسه، لمواكبة التطورات الحضارية، وينفض عنه غبار التقليد وتجارب الماضي السلبية.
نجد، مثلاً، أن البحث في الحقوق السياسية في الإسلام، يدفع بهذا الفكر إلى محاولة الكشف عن النظام السياسي في الإسلام بعيداً عن التجربة التاريخية، ومناقشة إشكالاته، كالحديث عن الشورى ومقارنتها بالديمقراطية الغربية، والتأكيد على ان نظام الشورى الإسلامي يضمن حقوق المشاركة السياسية للإنسان المسلم. إضافة إلى الحديث عن حجم الحريات السياسية وطبيعة علاقة الحاكم بالمحكومين، وحقوق المعارضة وإنشاء الأحزاب. وكما قلنا، سابقاً، أدت معالجة هذه القضايا إلى إعادة النظر في عدد من الاجتهادات والتطبيقات التاريخية، انتهت إلى رفض الاستبداد السياسي، وتفنيد مسوغاته الفكرية، وقطع صلته بمبادىء دينية تلبست بلباس القداسة، واتخذها أعداء الإسلام مطية للطعن فيه وفي تشريعاته.
الحقوق الاقتصادية كان لها نصيب مهم في عملية التأصيل، لأنها ستكشف بدورها عن نظام الإسلام الاقتصادي، عند البحث في الحقوق الاقتصادية التي يقدمها الإسلام للإنسان فرداً وجماعة، وتشريعاته الاقتصادية التي تكفل الرخاء والرفاه للمجتمع المسلم. لكن التأصيل، في مجال الحقوق الاقتصادية، عانى من تحديات جمة لأن المذهب الاقتصادي في الإسلام غير متكامل من حيث التنظير والتفصيل، وملامحة تعاني من الغموض. مع قلة البحوث الاقتصادية المنجزة في الماضي، وتطور المجال الاقتصادي المعاصر وتعقيده وتفرعاته الكثيرة، التي جعلت المفكر الإسلامي يشعر بنوع من التخبط، لأنه لم يجد بين يديه سوى الأصول العامة، وبعض الأحكام الجزئية في قضايا اقتصادية متفرقة. لذلك كان عليه أن يفتح باب الاجتهاد على مصراعيه لعلاج نواقص هذا الموضوع بالذات. خصوصاً إذا علمنا أن المذاهب الاقتصادية التي تم استيرادها من الغرب، وطبقت في العالم الإسلامي، كان لها وقع سيء على الهوية الدينية، لأن هذه المذاهب حملت معها خلفيات عقائدية ومظاهر، على نقيض تام مع دين التوحيد، بل مناقضة لكل دين. لذلك فالتحدي في هذا المجال كان كبيراً.