إلى جانب البحث في الحقوق السياسية والاقتصادية، كان هناك اهتمام متميز وخاص بحقوق المرأة، تشهد على ذلك كثرة الكتابات والدراسات التي أنجزت في هذا الموضوع، سواء الكتابات العامة التي تحدثت عن موضوع المرأة في الإسلام، واهتمت بالرد على الشبهات والانتقادات التي يروج لها الغزو الفكري الغربي، وتجد بعض الآذان الصاغية لها داخل العالم الإسلامي، أم الكتابات المتخصصة في مجال الحقوق كما نصت عليها الكتابات الحقوقية الغربية، ومن ضمنها المواثيق والإعلانات الحقوقية العالمية. وموضوع المرأة في الإسلام، كان قد اكتسب صبغة ذات حساسية خاصة قبل التوجه الحقوقي، خلال العقود الأخيرة، لأن وضع المرأة بشكل عام كان من بين القضايا التي احتدم حولها النقاش مبكراً، مع وصول الجحافل الأولى للاستعمار الغربي وسيطرتها العسكرية على العالم الإسلامي. وبقي هذا الجدل محتدماً، وفي تصاعد مستمر، بعد انتهاء الحقبة الاستعمارية، لأن الغزو الثقافي عبر وسائط الإعلام والتعليم، ما فتىء يركز على هذا الموضوع ويثيره بين الحين والآخر. لذلك فقد وجدت المرأة المسلمة نفسها تتقاذفها التيارات والايديولوجيات المختلفة، بين منتصر لما تدعو له الحضارة الغربية من قيم وحقوق تخص المرأة، وبين قيم الإسلام التي امتزجت مع تقاليد المجتمعات الإسلامية وأعرافها. وقد استطاعت عملية التأصيل لحقوق المرأة أن تميط اللثام عن عدد من المغالطات الأيديولوجية، ووضعت في بعض جوانبها المتميزة، حداً بين ما يريده الإسلام من المرأة وما قدمه لها من حقوق، وبين الواقع التاريخي، أو وضع المرأة المسلمة الحالي، الذي يحكمه التخلف وعدم الانسجام بين النظرة الإسلامية الحقوقية والواقع المعيش. لكن يمكن أن يقال إن عملية التأصيل في مجال حقوق المرأة قد بلغت شأواً من التقدم، تم فيه الاعتراف والانتباه لعدد كبير من الحقوق التي كانت، إلى عهد قريب، خارجة عن موضوع البحث أو المعالجة، بل كان النسيان والتجاهل يلفها ويلغيها من الوجود الواقعي. وبدأ الكلام عن حقوق تثير حساسية كبيرة داخل المجتمعات العربية والإسلامية، وهكذا بدأ الحديث عن الحقوق السياسية للمرأة وحقها في الولاية مثلاً؟.
لكن لا بد هنا من الإشارة إلى أن الفكر الإسلامي ما زال يتعامل مع الموروث الروائي المتعلق بالمرأة، بنوع من الحذر، وقلة الجرأة لمعالجته، لأنه مما لا شك فيه أن عدداً كبيراً من الأعراف والتقاليد قد استحالت عبر الوضع والكذب إلى أحاديث نبوية، كما أن التفسيرات التقليدية لكثير من الأحاديث، يجب إعادة النظر فيها، إذا أردنا فعلاً أن نكشف عن الوضع الحقوقي للمرأة كما جاء به الإسلام. وهذان الأمران: التردد والتخبط كثيراً ما يظهران في الكتابات العامة أو المختصة بحقوق المرأة في الإسلام.
وتفرع مجال التأصيل كثيراً، باعتباره استجابة للتحديات الحضارية المعاصرة التي كان من أهم إنجازاتها الإعلانات والمواثيق العالمية والإقليمية والوطنية، والمطالبة بالعمل على وضعها موضع التنفيذ والتطبيق، لذلك نجد أن مواضيع كثيرة قد نوقشت وتم علاجها سواء بشكل مفصل وكبير، أم بدراسات محدودة. ومن العناوين التي عولجت وكثر حولها التأليف نذكر: الحقوق الاجتماعية والإعلامية، الحريات العامة، الدستورية، الزوجية، العائلية، الأقارب، العمال، حقوق الجنين، الآباء، المتهم، الطفل، الأقليات إضافة إلى عناوين أخرى تعالج مواضيع جديدة، طرحها التطور العالمي في هذا المجال.
ومما لاحظناه، عند إنجازنا لببليوغرافيا خاصة بموضوع حقوق الإنسان [13] في الإسلام، أن الكتابات عن حقوق المرأة تأتي على رأس القائمة من حيث كثرتها وتفرعها، وهذا يؤكد حجم التحدي كما ذكرنا سابقاً، ثم تأتي الكتابات عن الحقوق السياسية، بعدها نجد أن موضوع الاقليات قد أخذ حيزاً كبيراً في مجال التأليف الحقوقي. وهذا يدل كذلك على حجم التحديات التي أثارها الإعلام الغربي حول الأقليات الدينية التي تعيش داخل العالم الإسلامي منذ قرون، وهو يروج أن التشريعات الإسلامية تضطهدها وتنتهك جملة من حقوقها. وأمام الهجمات المتكررة لهذا الاعلام، نجد أن الفكر الإسلامي استجاب بشكل إيجابي حينما عالج هذا الموضوع، وخصص له جهوداً محترمة في عملية التأصيل هذه.