فهرس الكتاب

الصفحة 2257 من 3657

هناك مواضيع حقوقية مهمة نلاحظ فيها بعض التقصير؛ إذ إن هذه العملية تعطيها حقها المطلوب، مع وجود موروث روائي لا بأس به يمكن أن يسهل هذه العملية، كموضوع حقوق الطفل، فالدراسات والبحوث قليلة جداً، وهذا يقلل من فرص وضع ميثاق حقوقي خاص بالطفل، لأن التراكم التنظيري متواضع جداً. لكننا نلاحظ أن العقل الإسلامي قد تحرر من محظوراته وكوابحه الذاتية والموضوعية، وانفتح على مصراعيه لمناقشة جميع القضايا التي لها علاقة بحقوق الإنسان وبحثها. وإن كنا نسجل نوعاً من السبق الوقائعي والتنظيري للفكر الغربي في هذا المجال، فالعقل المسلم، بشكل عام، يظل منفعلاً وليس فاعلاً في أغلب القضايا التي توصلها له وسائط الاعلام الغربية، فيهرع لمعرفتها والرد عليها سلباً أو إيجاباً. لكننا نثمن سرعة الاستجابة في كثير من الأحيان، وكذلك الكم المعرفي في ميدان الحقوق الذي نجم عنها، لأنه سيشكل الأرضية والقاعدة الفكرية المتينة لانطلاق الأجيال القادمة نحو الإبداع والإنتاج وبلورة النظرية الإسلامية في جميع المجالات.

مميزات عملية التأصيل

من خلال القراءات المتعددة، للكتابات الإسلامية الحقوقية، تظهر بوضوح بعض المميزات والخصائص التي تكاد تشترك فيها مجمل هذه الكتابات والبحوث، ليس في مجال معين، كالاقتصاد أو السياسة، ولكن في أغلب المواضيع المبحوثة. أولى هذه الخصائص، الحديث عن مفهوم الحق في المنظور الإسلامي، وذلك في قبالة الحديث عن الخلفيات الفكرية والفلسفية التي انطلق منها الوعي الحقوقي الغربي، وشكلت الأرضية العقائدية التي تتحكم في تعريفه للحق الإنساني. وقد تحدثنا من قبل عن النظريات الثلاث التي شكلت الخلفية الفلسفية للفكر الحقوقي الغربي.

والحديث عن مفهوم الحق، لما له من أهمية كبرى يحتاج إلى شيء من التفصيل. إن الاختلاف الذي تبرزه بعض الحقوق المنصوص عليها في المواثيق العالمية، إنما يرجع في أساسه إلى النظرة الفلسفية والعقائدية للحق، من حيث مفهومه ومصادره. لذلك فمعالجة الفكر الإسلامي الحقوقي لهذه القضية تعد مهمة وأساسية.

الميزة، أو الخاصية الثانية، تظهر في النقد الذي وجهه الفكر الإسلامي الحقوقي للحقوق الإنسانية في الفكر الغربي بشكل عام، عندما اتجه لنقد المذاهب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الغربية، مستعيناً بطبيعة الحال ببعض المظاهر، حيث الإخفاق في مجال الحقوق أدى إلى كوارث إنسانية، تجاوزت حدود تأمين الاحتياجات الضرورية للإنسان إلى تعريض وجوده الإنساني ككل للخطر، فظواهر الانتحار والتفسخ العائلي والتحلل الأخلاقي، وانتشار الإلحاد. هذه الظواهر التي تجتاح الواقع الغربي، تكاد تعصف بالمكتسبات الحقوقية التي تم تحقيقها بعد معاناة طويلة.

طبعاً نحن، هنا، أمامَ إشكال له جانبه الحقوقي، لكنه قد يتجاوزه، ليتم الحديث عن الحاجة إلى الأديان السماوية، بوصفها بديلاً عن الأيديولوجيات الوضعية. وهذا ما نجد تلميحاً له أثناء معالجة الفكر الإسلامي لقضايا حقوقية جزئية، على اعتبار أن النظر إلى الظاهرة الإنسانية، لا يمكن معالجته بشكل جزئي، لأن النتائج النهائية لأي تطبيق ستفتقر إلى النظرة الكلية للإنسان، في إطار فلسفي عقائدي، لا يهمل المنطلقات، ويتحدث عن الغايات والمقاصد الوجودية الأساسية للإنسان، بشكل واضح ومفصل، ما يسهم بشكل فعال في تحقيق ما يصبو له الإنسان من حياة أفضل على الأرض.

وهذه النظرة التكاملية تدفع بنا إلى الحديث عن الخاصية الثالثة، وهي شمولية الحقوق الإنسانية في الفكر الحقوقي الإسلامي، والتي نظر لها من خلال: التشريع الإلهي (الوحي) الذي يعلم يقيناً الاحتياجات الحقيقية للإنسان وحقوقه الأساسية، إضافة إلى نقطة مهمة تتلخص في كون التشريع الإلهي يمثل الحقيقة التي لا تتأثر بالمصالح الفردية أو الجماعية أو الفئوية، أو غيرها من التقسيمات التي يطغى تأثيرها في التشريعات الوضعية. وبالتالي فالحديث عن عالمية الحقوق، انطلاقاً من تشريعات وضعية، يعد تسويقاً لأيديولجيات غرضها الهيمنة لا غير.

هذه المميزات الثلاث، سنعرض لها بنوع من التفصيل، لأنها من القضايا المهمة التي ركز عليها الفكر الإسلامي الحقوقي أثناء عملية التأصيل، ولأنها محطات يمكن من خلالها معرفة المدى الذي توصلت إليه هذه العملية.

[1] كاتب من الغرب

[2] الدكتور أحمد بلحاج السندك، حقوق الإنسان، رهانات وتحديات، الرباط، شركة بابل للطباعة، 1996، ص8.

[3] أمينة البقالي، حركة حقوق الإنسان: من أجل أنسنة العمل السياسي، مجلة الوحدة، العدد 63/64، السنة السادسة، 89/1990، ص75.

[4] المحامي حسين ضناوي، وعي حقوق الإنسان: جذور التطور والحماية، جريدة النهار البيروتية، بتاريخ 17/12/1990م، ص2.

[5] عمر ممدوح مصطفى، القانون الروماني، القاهرة، ط3، 1959م، ص16.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت