وقال جل وعلا: [ ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون * وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين ] "الأحقاف 5-6"، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما: { إذا سألت فسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله } ( الترمذي ) .
فلا يسأل الإنسان إلا ربه ، ولا يستعين إلا به ، فهو سبحانه الذي يستطيع النفع والضر وبيده خزائن كل شيء ، لذلك قال تعالى: وقال ربكم ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ]"غافر 60"، وقال تعالى: [ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلاً ] "الإسراء 56".
ولو كان أولئك الأموات يملكون نفعاً أو ضراً لنفعوا أنفسهم ولما ما توا ، ولدفعوا عن أنفسهم الموت وما يحصل بهم من ضر ، فكيف ينفعون غيرهم أو يضرونهم ـ فعجباً !! لأولئك الناس الذين تركوا عقولهم سلعة رخيصة يلعب بها شياطين الإنس والجن ، حتى ضلوا عن جادة الصواب ، فعبدوا العباد ، بدلاً من أن يعبدوا رب العباد ، واتجهوا إلى عبادة القبور والأضرحة التي لا تنفع ولا تضر فما هي إلا كومة من تراب ولو قدر الله عز وجل وبعث أحد أولئك الأموات ، ووجد الناس رجالاً ونساءً جماعات وفرادى يطوفون حول قبره ويتبركون به ويطلبون المدد منه ويذبحون تقرباً إليه ، والله لما وسعه إلا أن يدعوهم إلى عبادة الله ولبين لهم أنه إنسان مثلهم لا ينفع ولا يضر وإلا لنفع نفسه قبل ذلك ، ولو وجدهم على حالهم هذه لسخر منهم واستهزأ بهم ولتبرأ إلى الله مما يفعلون ، فالله عز وجل أنعم عليهم بنعم شتى ، فوهبهم العقل والسمع والبصر ، ومع ذلك فنهم كالأنعام بل هم أضل سبيلا ، يعرفون الباطل فلا يجتنبونه ، ويعرفون الحق فلا يتبعونه وقد قال لهم ربهم: [ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ] "الذاريات 56".
وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: { من مات وهو يدعو لله نداً دخل النار } ( أحمد والبخاري ) ، وفي رواية مسلم: { من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة ، ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار } .
وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن تعظيمه فقال: { لا تعظموني كما يعظم الأعاجم بعضها بعضا } ( مسلم وأبو داود وابن ماجة ) ، وقال صلى الله عليه وسلم: { لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد } ( في الصحيحين ) ، قالت عائشة رضي الله عنها: {يحذر ما صنعوا ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن خشي أن يتخذ مسجداً } . وقال عليه الصلاة والسلام: { ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنها كم عن ذلك } ( مسلم ) ، وفي صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم: { لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها } . وروى أهل السنن عن بن عباس رضي الله عنهما قال: { لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج } ، وذكرت أم سلمة رضي الله عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور ، فقال: { أولئك إذا مات فيهم الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله } ( البخاري ومسلم ) .
وقال صلى الله عليه وسلم: { ولا تجعلوا قبري عيداً } ( أبو داود ) وروى مالك في الموطأ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: { اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد ، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد } وقال صلى الله عليه وسلم: { لا تطروني كما أطرت النصارى بن مريم ، إنما أنا عبد ، فقولوا عبد الله ورسوله } ( البخاري ) .
فيحرم الغلو في النبي صلى الله عليه وسلم أو التوسل به أو دعاؤه أو طلب المدد منه صلى الله عليه وسلم فهو ميت وقد قال تعالى: [ إنك ميت وإنهم ميتون"الزمر30"وقال تعالى: [ وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفأين مت فهم الخالدون ] "الأنبياء34"، فإذا كان هذا يحرم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فغيره من باب أولى ، لأنهم لا ينفعون ولا يضرون فيحرم الطواف حول قبور أولئك الأموات ويحرم الذبح عندها أو التقريب لها ، أو طلب المدد منها أو التبرك بها والتمسح بها أو غير ذلك من الأمور المحرمة ، فكل من فعل ذلك فهو داخل في قوله تعالى: [ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء ] "النساء 116"وقوله تعالى: [ وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثوراً ] "الفرقان 23"، وقوله تعالى: [ الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً ] "الكهف 104"، لأنهم خالفوا ما خلقوا من أجله وهو عبادة الله وحده لا شريك له .