قال أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم متوكئًا على عصا، فقمنا إليه، فقال: (( لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضًا ) ) ( [24] ) .
وقال أنس رضي الله عنه: (ما كان شخص أحب إليهم من النبي صلى الله عليه وسلم،وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك) ( [25] ) .
فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد كره القيام له، ونهى عنه وأخبر أنه من فعل الأعاجم، فكيف بالقيام عند ذكر ولادته وخروجه إلى الدنيا؟! فهذا أولى بالنهي لجمعه بين البدعة والتشبه بالأعاجم.
والقوم لا يقفون عند هذا الحد، بل يزعمون أن هذا القيام عند ذكر ولادته صلى الله عليه وسلم لأجل أن روح النبي تحضر في ذلك الوقت، وأنه يصافح المجتمعين في المجلس، وهو اعتقاد ليس عليه كتاب ولا سنة ، ولا أثر عن خير القرون.
الأشعار الشركية التي تتلى في المولد:
إن الأشعار التي فيها الشرك الصراح؛ لا يرى القوم في روايتِها شيئًا من ذلك؛ لأنّهم يرون أنّ الكاف في قوله صلى الله عليه وسلم: (( لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم ) )للتمثيل، أي: لا تقولوا فيَّ قول النصارى في عيسى، وقولوا ما سوى ذلك؛ لذلك يقول البوصيري:
دع ما ادعته النصارى في نبيهم وانسب إلى قدره ما شئت من عظم
وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف واحكم بما شئت مدحًا فيه واحتكم
فإن فضل رسول الله ليس له حدٌّ فيعرب عنه ناطق بنعم
والصحيح أن الكافَ في الحديث للتعليل وليست للتشبيه كقوله تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً} [البقرة:151] ، وقوله تعالى: {وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} [البقرة:191] ، فالنبي صلى الله عليه وسلم ينهى أمته عن إطرائه الموصل إلى الغلو؛ لأجل ما حصل للنصارى، فقالوا: عيسى ابن الله.
ويبين ذلك ويوضحه ما حكاه عبد الله بن الشخير، قال: انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: أنت سيدنا، فقال: (( السيد هو الله تبارك وتعالى ) ). قلنا: وأفضلنا فضلاً وأعظمنا طولاً، فقال: (( قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان ) ) ( [26] ) .
فهم يتقربون إلى الله بالشرك، ويمدحون الرسول صلى الله عليه وسلم بما حارب عليه المشركين، فما أشدّ ضلالهم وأبعدهم عن الهُدى.
أمور لا تشترط في البدعة:
1.لا يشترط في البدعة ألا يوجد لها بعض الفوائد، بل قد توجد لبعض البدع بعض الفوائد؛ إذ ليست البدع من قبيل الباطل الخالص الذي لا حق فيه، ولا من الشر المحض الذي لا خير فيه.
قال ابن تيمية:"لأنّ جميع المبتدعات لا بد أن تشتمل على شرّ راجح على ما فيها من الخير؛ إذ لو كان خيرها راجحًا لما أهملته الشريعة، فنحن نستدل بكونها بدعة على أنّ إثمها أكثر من نفعها، وذلك هو الموجب للنهي، وأقول إنّ إثمها قد يزول عن بعض الأشخاص لمعارض؛ لاجتهاد أو غيره" ( [27] ) .
2.لا يشترط في البدعة أن تفعل على وجه المداومة والتكرار، بل إنّ الشيء قد يفعل مرّة واحدة دون تكرار ويكون بدعة، وذلك كالتقرب إلى الله بفعل المعاصي أو بالعادات.
3.لا يشترط في البدعة أن تفعل مع قصد القربة والتعبد، بل إنّ الشيء ربما كان بدعة دون هذا القصد، فلا يشترط ـ مثلاً ـ قصد التعبد في البدع الحاصلة من جهة الخروج على نظام الدين؛ كالتشبه بالكافرين، ولا في الذرائع المفضية إلى البدعة، إلا أنّ غالب البدع ـ خاصة في باب العبادات ـ تجري من جهة قصد القربة.
4.لا يشترط في البدعة أن يوصف فاعلها بسوء القصد وفساد النية، بل قد يكون المبتدع مريدًا للخير، ومع ذلك فعمله يوصف بأنه بدعة ضلالة، كما ورد ذلك في أثر ابن مسعود رضي الله عنه، قال: (وكم من مريد للخير لن يصيبه) ( [28] ) .
5.لا يشترط في البدعة أن تخلو من دلالة الأدلة العامّة عليها، بل قد تدل الأدلة العامة المطلقة عليها من جهة العموم، ولا يكون ذلك دليلاً على مشروعيتها من جهة الخصوص؛ إذ إنّ ما شرعه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بوصف العموم والإطلاق لا يقتضي أن يكون مشروعًا بوصف الخصوص والتقييد، كقوله تعالى: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اذْكُرُواْ اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً} [الأحزاب: 41] ، فإنه لا يقتضي بعمومه مشروعية الأذان للعيدين على وجه الخصوص.
الآثار الناتجة عن بدعة المولد:
1.التعبد لله تعالى بما لم يشرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبما حكم بأنّه ضلالة.
2.القدح في كمال الشريعة الإسلامية، وردّ قول الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الأسْلاَمَ دِيناً} [المائدة:3] .
3.الطعن في أمانة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه لم يؤدِ الأمانة، ولم ينصح الأمة.
4.تصيير هذا اليوم عيدًا يحرم فيه الصوم ويُمنع، كما أفتى بذلك ابن عبَّاد وابن عاشر، كما بيَّنه الحطَّاب في مواهب الجليل (2/406) .