فهرس الكتاب

الصفحة 2382 من 3657

وأحاديث ذم البدع والتحذير منها من هذا القبيل، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يردد من فوق المنبر على ملأ من المسلمين في أوقات كثيرة وأحوال مختلفة أن"كل بدعةٍ ضلالة"ولم يأت في آية ولا حديث تقييد ولا تخصيص ولا ما يفهم منه خلاف ظاهر الكلية من العموم فيها، فدل ذلك دلالة واضحة على أنها على عمومها وإطلاقها.

وقد أجمع السلف الصالح على ذمها وتقبيحها والهروب عنها وعمن اتسم بشيء منها، ولم يقع منهم في ذلك توقف ولا استثناء، فهو - بحسب الاستقراء - إجماع ثابت يدل دلالة واضحة على أن البدع كلها سيئة ليس فيها شيء حسن) (3) .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في"مجموع الفتاوى" (10/370) : (إن المحافظة على عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم:"كل بدعةٍ ضلالة"متعين وأنه يجب العمل بعمومه) .

سابعاً: (إن معرفة البدعة المدعى حسنها متعذرة، لأن الأمر قد يكون ظاهره طاعة وهو معصية وقد يكون الأمر بالعكس وقد يحسن كثير من العقول بمجردها أن تصلي الظهر خمساً عند النشاط والرغبة في مناجاة الله ويحسن أن تصلي ركعة عند التعب والإعياء وتراكم الأشغال وهكذا يقال في سائر الفروض.

فيقال لمحسني البدع أنتم في حاجة شديدة أن تميزوا البدعة الحسنة من القبيحة، ونحن على اتفاق أنه ليس كل ما ظاهره طاعة يكون في الواقع طاعة، ولا كل ما ظاهره معصية يكون في الواقع معصية، وغاية الأمر أن يكون هذا المحدث المبتدع دائراً بين أن يكون حسنًا مثابًا عليه، وأن يكون قبيحاً معاقباً عليه، وإذا كان كذلك فلا يجوز أن تدعوا أنه من القسم الأول إلا بدليل خارج، والدليل إذا كان من الكتاب؛ أو السنة الصحيحة؛ أو الإجماع؛ فما هو من البدعة، فظهر أن القول بالبدعة الحسنة باطل لتعذر معرفتها.

وسر البرهان أننا نقول لمن أشار إلى عمل محدث وقال هذه بدعة حسنة: من أين عرفت أنها حسنة ولعلها قبيحة؟

وكم نشاهد من الأعمال ما نظنه حسناً وهو قبيح، فمثلاً ما يدريك - لولا ما جاء في"صحيح مسلم"عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أنه قال: (ثلاث ساعاتٍ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن، أو أن نقبر فيهن موتانا؛ حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب) - أن الصلاة بعد صلاة الفجر وقبل غروب الشمس وفي وقت الظهيرة غير جائزة؟

وما يدريك - لولا ما جاء في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:"أول ما فرضت الصلاة ركعتين، فأقرت صلاة السفر و أتمت صلاة الحضر"- أن إتمام الصلاة في السفر غير جائز، وأن الفاعل لذلك معذب؟ وقد قال بتعذيبه كثير من العلماء.

وما يدريك - لولا قول الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن توضأ ثلاثاً ثلاثاً:"هكذا الوضوء، فمن زاد علَى هذا فقد أساء وظلم"- أن الزيادة في الوضوء كأن يغسل المتوضئ خمساً لا تجوز،

وما يدريك - لولا ما جاء في صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا"- أن قراءة القرآن في الركوع والسجود غير جائزة بل مكروهة؛ والإمام أبو حنيفة قائل بذلك؟ وكثير في الشريعة ما نظنه طاعة يثاب عليه وهو معصية يعاقب عليه وكذلك العكس) (2) .

قال عبد الله القصيمي في كتابه"شيوخ الأزهر والزيادة في الدين" (20- 21) :

(خاطبت يوما شيخاً من شيوخ الأزهر الذين يقولون: إن في الدين بدعة حسنة؛ قلت له: ما الفاصل بين البدعة الحسنة والبدعة القبيحة الذي يعتمد عليه المسلم فيأخذ الحسن ويترك القبيح؟

فامتقع لونه وقال (وليته ما قال) : البدعة الحسنة هي الجائزة ديناً، والقبيحة هي الممنوعة ديناً!

قلت له: ما صنعت شيئاً، بأي شيء نعرف الجائزة والممنوعة؟ وهو سؤالي.

فامتقع أكثر وقال: الجائزة هي الحسنة، والممنوعة هي السيئة!!

قلت له: هذا هو الدور الممنوع لدى المعممين كافة، إذ لا نعرف الحسن إلا بكونه حلالاً، ولا الحلال إلا بكونه حسناً، ولا القبيح إلا بكونه حراماً، ولا الحرام إلا بكونه قبيحاً.

ثم نشط عقله من عقاله وقال: البدعة الحسنة التي لا ضرر فيها، والقبيحة هي ذات الضرر.

قلت له: ما تقصد بالضرر؟

أتقصد ضرر الدنيا أم ضرر الدنيا والأخرى، أم ضرر الأخرى فحسب؟

إن قصدت الأول: فأي ضرر في أن نصلي الظهر خمساً والمغرب أربعاً والفجر ستاً وأن نجعل السجود في الصلاة قبل الركوع، والركوع قبل القيام، والقيام قبل الجلوس، والتشهد قبل الاستفتاح، وأن نصوم شعبان بدل رمضان إذا خفنا أن لا يدركنا رمضان أو يشغلنا شاغل، وأن نصوم في الليل؟

هل في واحدة من هؤلاء ضرر دنيوي تراه؟ لا ضرر سوى مخالفة الشرع.

وإن قصدت الثاني والثالث فما العلامة أن هذه الحادثة فيها ضرر علينا في الدار الآخرة وعقاب لفاعليها؟ هذا وأنت من الذين ينفون التقبيح والتحسين العقليين، فانتهى هنا.

والنهاية أن من لم يأخذ بظواهر هذه الأخبار تحير وقال أقوالاً باطلة) ا.هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت