فهرس الكتاب

الصفحة 2381 من 3657

(ولا أدل على ذلك من قصة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لما جاء إلى أولئك القوم المتحلقين في المسجد، ومعهم حصى، يعدون بها التكبير والتهليل والتسبيح، فقال لهم رضي الله عنه:"فعدوا سيئاتكم، فأنا ضامنٌ أن لا يضيع من حسناتكم شيءٌ، ويحكم يا أمة محمدٍ! ما أسرع هلكتكم! هؤلاء صحابة نبيكم صلى الله عليه وسلم متوافرونَ، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده، إنكم لعلى ملةٍ أهدى مِن ملةٍ محمدٍ أو مفتتحو باب ضلالةٍ". قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن؛ ما أردنا إلا الخير. قال:"وكم من مريدٍ للخيرِ لن يصيبه"رواه الدارمي في"سننه"(1/68-69) وأبو نعيم وغيرهما، وسنده صحيح.

قلت: فهذه قصة جليلة، ترى فيها بجلاء كيف كان علماء الصحابة رضي الله تعالى عنهم يتعاملون مع العبادات بوسائلها ومقاصدها ونيات أصحابها، وبيان ذلك فيما يلي:

أ - قوم يذكرون الله تعالى، تكبيراً، وتهليلاً، وتسبيحاً.

ب - استعملوا في ذكرهم حصى كـ (وسيلة) لعد هذا التكبير والتسبيح.

ج - نياتهم في عملهم هذا حسنة، يريدون به، عبادة الله، وذكره، وتعظيمه.

د - ومع ذلك؛ أنكر عليهم ابن مسعود هذا العمل ضمن هذه الوسيلة؛ لأنه لم يعهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ رغم وجود المقتضي له في عصره.

هـ - رتب على عملهم المحدث هذا الإثم لمخالفتهم السنة، ومواقعتهم البدعة.

و - لم يجعل - رضي الله عنه - حسن نياتهم سبيلاً للتغاضي عن عملهم، أو دليلاً على صحة فعلهم، إذ النية الحسنة لا تجعل البدعة سنة، ولا القبيح حسناً، بل لا بد أن يكون مع النية الحسنة والإخلاص: موافقة للسنة، ومتابعة للسلف) ( 1 ) .

وعن سعيد ابن المسيب - رحمه الله: أنه رأى رجلاً يصلي بعد طلوع الفجر أكثرَ من ركعتين، يكثر فيهما الركوع والسجود، فنهاه! فقال: يا أبا محمد يعذبني الله على الصلاة؟ قال:"لا ولكن يعذبك على خلاف السنة" ( 2 ) .

قال الألباني- رحمه الله- في"الإرواء" (2/236) :"وهذا من بدائع أجوبة سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى، وهو سلاح قوي على المبتدعة الذين يستحسنون كثيراً من البدعِ باسم أنها ذكر وصلاة، ثم ينكرون على أهل السنة إنكار ذلك عليهم، ويتهمونهم بأنهم ينكرون الذكر والصلاة!! وهم في الحقيقة إنما ينكرون خلافهم للسنة في الذكر والصلاة ونحو ذلك"ا.هـ.

وقال ( 1 ) رجل للإمام مالك: يا أبا عبد الله من أين أحرم؟

قال: من ذي الحلَيفة، من حيث أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر.

قال: لا تفعل؛ فإني أخشى عليك الفتنة.

فقال: وأي فتنة في هذه؟! إنما هي أميال أزيدها!!

قال: وأي فتنةٍ أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلةٍ قصر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

قال تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ]النور:63[.

فهذه الأدلة تدل على أن إخلاص أولئك في نيتهم لم يمنع الرسول صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة ولا التابعين ومن تبعهم من الإنكار عليهم بسبب عدم متابعتهم في أعمالهم تلك للرسول صلى الله عليه وسلم.

سادساً: إن الأدلة الصحيحة جاءت بذم البدع مطلقاً، ولم تقسم البدع إلى بدع حسنة مستحبة و إلى بدع سيئة مكروهة:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ، وشر الأمور محدَثاتها، وكل محدَثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة؛"وكل ضلالةٍ في النار". أخرجه مسلم في صحيحه والنسائي والزيادة له."

وقال صلى الله عليه وسلم:"فإن من يعش منكم؛ فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء"

الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ،وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة"أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم (1) ."

وقال صلى الله عليه وسلم:"من أحدث في أمرِنا هذا ما ليس منه؛ فهو رد"متفق عليه.

وفي رواية:"من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"رواه مسلم.

(فهذه الأحاديث لم تفرق في الحكم بين بدعةٍ وبين بدعةٍ أخرى، فالنكرة إذا أضيفت؛ أفادت العموم، والعموم لا يخص إلا باستثناء، و أين الاستثناء هنا؟! - وما قد يظنه البعض دليل على الاستثناء سيأتي الجواب عنه فيما بعد إن شاء الله - وهذا ما فهمه السلف الصالح رضي الله عنهم أجمعين: فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:"كل بدعةٍ ضلالة وإن رآها الناس حسنة"( 2 ) .

وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:"أيها الناس! إنكم ستحدثون ويحدث لكم، فإذا رأيتم محدثة؛ فعليكم بالأمرِ الأول" (1) . فكلاهما أخذ معنى (البدعة) على عمومه، دون تفريق بين ما يسمى بدعة حسنة أو بدعة سيئة! وهو الذي لا ينبغي سواه) (2) .

(وقد ثبت في الأصول العلمية أن كل قاعدة كلية أو دليل شرعي كلي؛ إذا تكررت في مواضع كثيرة وأوقات متفرقة وأحوال مختلفة، ولم يقترن بها تقييد ولا تخصيص فذلك دليل على بقائها على مقتضى لفظها العام المطلق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت