فهرس الكتاب

الصفحة 2386 من 3657

الثاني: أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم قد تركوا العمل بسنن حسنة مباركة محمودة، وهذا مما ينزه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه رضي الله عنهم.

الثالث: أن يكون القائمون بالبدع الحسنة المزعومة قد حصل لهم العمل بسنة حسنة مباركة محمودة لم تحصل للنبي صلى الله عليه وسلم، ولا لأصحابه رضي الله عنهم، وهذا لا يقوله من له أدنى مسكة من عقل و دين) (2) .

الفصل الثاني:

ذكر الشبه التي يستدل بها من يقول بتقسيم البدع:

الشبهة الأولى: فهمهم لقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء"رواه مسلم.

والجواب عن هذه الشبه هو (ما قاله الإمام الشاطبي - رحمه الله - في"الاعتصام"(1/233- 236) مختصراً مع بعض الإضافات:

"ليس المراد بالحديث: الاستنان بمعنى الاختراع، وإنما المراد به العمل بما ثبت بالسنة النبوية، وذلك لوجهين:"

أحدهما: أن السبب الذي جاء لأجله الحديث هو الصدقة المشروعة؛ بدليل ما في"صحيح مسلم"من حديث جرير بنِ عبد الله رضي الله عنه قال:"كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر النهار؛ قال: فجاءه قوم حفاةً عراة مجتابي النمار أو العباء متقلدي السيوف. عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر. فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأَى بهم من الفاقة. فدخل ثم خرج. فأمر بلالا فأذن وأقام."

فصلى ثم خطب فقال:" (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) ]النساء:1 [ إلى آخر الآية (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) والآية الَتي في الحشر: (اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ) ] الحشر:18[ تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره حتى قال:"ولو بشق تمرةٍ قال:"فجاء رجل من الأنصار بصرةٍ كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت. قال: ثم تتابع الناس.حتى رأيت كومين من طعام وثياب.حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل كأنه مذهبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده من غيرِ أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنَة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده.من غير أن ينقص من أوزارهم شيء"."

فتأملوا أين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سن في الإسلام سنة حسنة؛ تجدوا ذلك فيمن عمل بمقتضى المذكور على أبلغ ما يقدر عليه، حتى بتلك الصرة فانفتح بسببه باب الصدقة على الوجه الأبلغ، فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قال:"من سن في الإسلام سنة حسنة..إلخ. فدل على أن السنة ها هنا مثل ما فعل ذلك الصحابي، وهو العمل بما ثبت كونه سنة."

فظهر أن السنة الحسنة ليست بمبتدعةٍ"."

ووجه ذلك:(أن كل ما فعله الأنصاري إنما هو ابتداؤه بالصدقة في تلك الحادثة، والصدقة مشروعة من قبل بالنص أفترون هذا الصحابي أتى ببدعة حسنة؟!.

وحث عليها - أي على الصدقة - الرسول صلى الله عليه وسلم في القصة نفسها.

وعليه فالسنة الحسنة هي إحياء أمر مشروع لم يعهد العمل به بين الناس لتركهم السنن) ( 1 ) .

( ويدل على هذا حديث:(من أحيا سنة من سنتي فعمل بها الناس؛ كان له مثل أجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيئاً، ومن ابتدع بدعة فعمل بها، كان عليه أوزار من عمل بها لا ينقص من أوزار من عمل بها شيئاً) رواه ابن ماجة ( 2 ) .

مع ملاحظة أن النبي صلى الله عليه وسلم أضاف السنة إليه فقال: (من سنتي) بينما أطلق الكلام في البدعة فقال: (ومن ابتدع بدعة) ولم يقل بدعة سيئة.

ثانياً: أن قوله: (من سن في الإسلام سنةً حسنةً ومن سن في الإسلام سنةً سيئةً)

لا يمكن حمله على الاختراع من أصلٍ؛ لأن كونها حسنةً أو سيئةً لا يعرف إلا من جهة الشرع؛ لأن التحسين والتقبيح مختص بالشرع، لا مدخل للعقل فيه وهو مذهب جماعة أهل السنة، وإنما يقول به المبتدعة - أعني: التحسين والتقبيح بالعقل -.

فلزم أن تكون"السنة"في الحديث: إما حسنةً في الشرع، وإما قبيحةً بالشرعِ، فلا يصدق إلا على مثل الصدقة المذكورة وما أشبهها من السنن المشروعة.

وتبقى السنة السيئة منزلةً على المعاصي التي ثبت بالشرعِ كونها معاصي؛ كالقتل المنبه عليه في حديث ابن آدم، حيث قال صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري ومسلم: (لا تقتل نفس ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه أول من سن القتل ) ) وعلى البدع، لأنه قد ثبت ذمها والنهي عنها بالشرع ) ( 2 ) .

ثالثاً: (لا يمكن أن يكون معنى:(من سن في الإسلام سنةً حسنة) ً أي من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة"لأن بهذا يكون معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: كل بدعة ٍضلالة"كل سنة ضلالة"."

فمن جعل هذا هو معنى ذاك فقد أبعد النجعة وحرف الكلم عن مواضعه) ( 1 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت