رابعاً: (لو كان هذا الذي يفهمه الناس الفهم الصحيح للحديث لصار في قول النبي صلى الله عليه وسلم:(فمن رغب عن سنتي فليس مني) تناقضاً واضحاً وتحريضاً على الإعراض عن السنة. وثناءً منه على من رغب عن سنته.
فبينما يقول: فعليكم بسنتي داعياً إلى التمسك بها والعض عليها بالنواجذ والقبض على الجمر يدعونا هنا إلى الأخذ بأي سنة يسنها من شاء من المسلمين لا بالتقيد بسنته صلى الله عليه وسلم وحده!) ( 2 ) .
الشبهة الثانية: فهمهم لأثر"ما رآه المسلمون حسناً؛ فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون سيئاً؛ فهو عند الله سيئ"أخرجه أحمد وغيره.
الجواب:
أولاً:هذا الحديث لا يصح مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، بل هو ثابت عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
قال الزيلعي في"نصب الراية" (4/133) نقلاً من"اللمع"للسحيباني (ص28) :
"غريب مرفوعًا، ولم أجده إلا موقوفًا على ابن مسعود".
(وقال ابن الجوزي في"الواهيات"(رقم452) :"هذا الحديث إنما يعرف من كلام ابن مسعودٍ".
وقال ابن عبد الهادي كما في"كشف الخفاء"للعجلوني (2/188) :
" (وروي) مرفوعاً عن أنس بإسنادٍ ساقطٍ، والأصح وقفه على ابن مسعودٍ".
وقال ابن القيم في"الفروسية" (ص61) :"ليس من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما يضيفه إلى كلامه من لا علم له بالحديث، وإنما هو ثابت عن ابن مسعودٍ") (1) .
وقال الألباني في"السلسلة الضعيفة" (2/17) :"لا أصل له مرفوعاً، وإنما ورد موقوفاً على ابن مسعود"اهـ.
ثانياً: (قال الشيخ الألباني في"السلسة الضعيفة"( 2/17) :
(إن من عجائب الدنيا أن يحتج بعض الناس بهذا الحديث على أن في الدين بدعةً حسنةً، وأن الدليل على حسنها اعتياد المسلمين لها!!
ولقد صار من الأمرِ المعهود أن يبادر هؤلاء إلى الاستدلال بهذا الحديث عندما تثار هذه المسألة، وخفي عليهم:
أ - أن هذا الحديث موقوف - أي على الصحابي - فلا يجوز أن يحتج به في معارضة النصوص المرفوعة - أي إلى النبي صلى الله عليه وسلم - القاطعة في أن (كل بدعةٍ ضلالة) كما صح عنه صلى الله عليه وسلم.
ب - وعلى افتراض صلاحية الاحتجاجِ به، فإنه لا يعارِض تلك النصوص لأمور:
الأول: أن المراد به إجماع الصحابة واتفاقهم على أمر، كما يدل عليه السياق، ويؤيده استدلال ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه به على إجماع الصحابة على انتخاب أبي بكر خليفةً (حيث قال:"إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد، بعد قلب محمد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسناً فهو عند الله حسن وما رأوا سيئاً، فهو عند الله سيئ"أخرجه أحمد(1/379) ، وروى الحاكم الجملة الأخيرة، وزاد:"وقد رأى الصحابة جميعاً أن يستخلفوا أبا بكر") ( 1 ) .
وعليه؛ فاللام في"المسلمون"ليس للاستغراق كما يتوهمون، بل للعهد.
الثاني: سلمنا أنه للاستغراق، ولكن ليس المراد به قطعاً كل فردٍ من المسلمين، ولو كان جاهلاً لا يفقه من العلم شيئاً؛ فلا بد إذن من أن يحمل على أهل العلم منهم، وهذا مما لا مفر لهم منه فيما أظن).
قلت: ومما يزيد كلامه - حفظه الله - وضوحاً الأمور التالية:
1 -أنه قد بوب له جماعةٌ من أهل الحديث في"باب الإجماع"، كما في"كشف الأستار عن زوائد البزار" (1/81) ، و"مجمع الزوائد" (1/177) ، وغيرهما.
2 -استدل به كثير من العلماء على الإجماع:
قال ابن كثير:"وهذا الأثر فيه حكايةُ إجماعٍ عن الصحابة في تقديم الصديق، والأمر كما قاله ابن مسعودٍ".
وقال ابن القيم في"الفروسية" (ص60) بعد إيراده، رداً على المستدلين به:"في هذا الأثر دليل على أن ما أجمع عليه المسلمون ورأوه حسناً؛ فهو عند الله حسن، لا ما رآه بعضهم! فهو حجة عليكم".
وقال ابن قدامة في"روضة الناظر" (ص86) :"الخبر دليل على أن الإجماع حجة، ولا خلف فيه".
وقال الشاطبي في"الاعتصام" (2/655) : (إن ظاهره يدل على أن ما رآه المسلمون بجملتهم حسناً؛ فهو حسنٌ، والأمة لا تجتمع على باطلٍ، فاجتماعهم على حسن شيءٍ يدل على حسنه شرعاً؛ لأن الإجماع يتضمن دليلاً شرعياً") (1) ."
وقال الإمام ابن حزم في"الإحكام في أصول الأحكام" (6/197) :بعد أن ذكر أثر ابن مسعود رضي الله عنه: ( فهذا هو الإجماع الذي لا يجوز خلافه لو تيقن، وليس ما رآه بعض المسلمين أولى بالاتباع مما رآه غيرهم من المسلمين، ولو كان ذلك لكنا مأمورين بالشيء وضده، وبفعل شيء وتركه معاً، وهذا محال لا سبيل إليه) اهـ.
وقال العز بن عبد السلام في"فتاوى العز بن عبد السلام" (ص379) :"إن صح الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالمراد بالمسلمين أهل الإجماع"اهـ.
(وهنا نقول لمن استدل بهذا الأثر على أن هناك بدعة حسنة: هل تستطيع أن تأتي ببدعة واحدة أجمع المسلمون على حسنها؟!