فهرس الكتاب

الصفحة 2388 من 3657

إن هذا من المستحيل ولا شك، فليس هناك بدعة أجمع المسلمون على حسنها ولله الحمد.

ثالثاً: كيف يستدل بكلام هذا الصحابي الجليل على تحسين شيء من البدع، مع أنه رضي الله عنه كان من أشد الصحابة نهياً عن البدع وتحذيراً منها، وهو القائل كما مر معنا:"اتبعوا ولا تبتدعوا؛ فقد كفيتم، وكل بدعةٍ ضلالة"رواه الدارمي في سننه) (1) .

الشبهة الثالثة: (يقولون: ليست(كل) في حديث: (كل بدعةٍ ضلالة) على عمومها، بدليل أن الله سبحانه يقول: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا) ]الأحقاف:25[ والريح لم تدمر (كل) شيءٍ، فدل على أن (كل) ليست على عمومها!.

الجواب: إن (كل) على عمومها هنا أيضاً، إذ هي دمرت (كل) شيءٍ أمرها به ربها، لا (كل) شيءٍ في الدنيا!!

وعلى هذا قول المفسرين:

قال ابن جريرٍ في"تفسيره" (13/26/27) : (وإنما عنى بقوله:(تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ)

مما أرسلت بهلاكه؛ لأنها لم تدمر هوداً ومن كان آمن به) اهـ.

وقال القرطبي في"تفسيره" (16/206) :"أي كل شيءٍ مرت عليه من رجال عادٍ وأموالها".

وكذا قال آخرون، وانظر"اقتضاء الصراط المستقيم" (ص274-275) .

فلا حجة في هذا الاستدلال ألبتة) ( 1 ) .

الشبهة الرابعة: فهمهم لقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه:"نعمت البدعة هذه"رواه البخاري.

الجواب:

أولاً: (لو سلمنا جدلاً بصحة دلالته على ما أرادوا من تحسين البدع - مع أن هذا لا يسلم - فانه لا يجوز أن يعارض كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل:(كل بدعةٍ ضلالة) بكلام أحد من الناس، كائنًا من كان.

قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما:"يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر") (1) .

ثانياً: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال هذه الكلمة حين جمع الناس على إمام واحد في صلاة التراويح و (صلاةَ التراويح ليست بدعةً في الشريعة، بل هي سنة بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله في الجماعة.. ولا صلاتها جماعةً بدعةً، بل هي سنة في الشريعة، بل قد صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجماعة في أول شهر رمضان ليلتين، بل ثلاثًا.

وقال: (من قام مع الإمام حتى يَنصرف، فإنه يعدل قيام ليلةٍ) رواه الترمذي وابن ماجة.

كما قام بهم حتى خشوا أن يفوتهم الفلاح. رواه أهل السنن.

وبهذا الحديث احتج أحمد وغيره على أن فعلها في الجماعة أفضل من فعلها في حال الانفراد.

وفي قوله هذا ترغيب لقيام رمضان خلف الإمام وذلك أوكد من أن يكون سنة مطلقة،

وكان الناس يصلونها جماعاتٍ في المسجد على عهده صلى الله عليه وسلم وهو يقرهم، وإقراره سنة منه صلى الله عليه وسلم).

بل إن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يصلون التراويح في عهد عمر رضي الله عنه قبل أن يقول كلمته هذه، فقد روى البخاري ومالك وغيرهما عن عبد الرحمن بن عبد القارى رضي الله عنه قال: (خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان إلى المسجد فإذَا الناس أوزاعاً متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصَلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحدٍ لَكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعبٍ. ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارِئهم. قال عمر:"نعمت البدعة هذه") .

ثالثاً: (إذا علمت - رحمك الله - ما تقدم، فمفهوم البدعة الشرعية لا ينطبق على فعل عمر، وإنما أراد - رضي الله عنه - بقوله المذكور البدعة اللغوية، فالبدعة في الشرع لا تستخدم إلا في موضع الذم، بخلاف اللغة فإن كل ما أحدث على غير مثال سابق بدعة، سواء أكان محموداً أو مذموماً) ( 2 ) .

(وعلى هذا حمل العلماء قول عمر رضي الله عنه فقد قال الإمام ابن كثير- رحمه الله- في"تفسيره"عند تفسير(سورة البقرة:117) :"البدعة على قسمين: تارة تكون بدعة شرعية؛ كقوله صلى الله عليه وسلم:"كل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة" وتارة تكون بدعة لغوية؛ كقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عن جمعه إياهم على صلاة التراويح واستمرارِهم:"نعمت البدعة هذه"."

وقال ابن رجب في"جامع العلوم والحكم" (ص233) :"وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية…"ثم ذكر رحمه الله قول عمر رضي الله عنه .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في"اقتضاء الصراط المستقيم" (2/592-593) :

"وأما قول عمر رضي الله عنه:"نعمت البدعة هذه"فأكثر المحتجين بهذا؛ لو أردنا أن نثبت حكماً بقول عمر الذي لم يخالف فيه؛ لقالوا:"قول الصاحب ليس بحجةٍ!"، فكيف يكون حجةً لهم في خلاف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!"

ومن اعتقد أن قول الصاحب حجة؛ فلا يعتقده إذا خالف الحديث.

فعلى التقديرين: لا تصلح معارضة الحديث بقول الصاحب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت