فهرس الكتاب

الصفحة 2389 من 3657

ثم نقول: أكثر ما في هذا تسمية عمر تلك بدعةً، مع حسنها، وهذه تسمية لغوية لا تسمية شرعية، وذلك أن البدعة في اللغة تعم كل ما فعل ابتداءً من غير مثالٍ سابقٍ، وأما البدعة الشرعية؛ فما لم يدل عليه دليل شرعي.

فإذا كان نص رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دل على استحباب فعلٍ، أو إيجابه بعد موته، أو دل عليه مطلقاً، ولم يعمل به ألا بعد موته، ككتاب الصدقة الذي أخرجه أبو بكر رضي الله عنه ، فإذا عمل ذلك العمل بعد موته، صح أن يسمى بدعة في اللغة؛ لأنه عمل مبتدأ، كما أن نفس الدين الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم يسمى محدثاً في اللغة؛ كما قالت رسل قريشٍ للنجاشي عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم المهاجرين إلى الحبشة:"إن هؤلاء خرجوا من دين آبائهم ولم يدخلوا في دين الملك، وجاؤوا بدينٍ محدثٍ لا يعرف".

ثم ذلك العمل الذي دل عليه الكتاب والسنة ليس بدعةً في الشريعة، وإن سمي بدعة في اللغة.

وقد علم أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (كل بدعةٍ ضلالة) لم يرد به كل عمل مبتدأ؛ فإن دين الإسلام، بل كل دين جاءت به الرسل؛ فهو عمل مبتدأ، وإنما أراد من الأعمال التي لم يشرعها هو صلى الله عليه وسلم).

قلت: وقد سبق بيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلى بأصحابه في رمضان ثلاث ليالٍ، ثم خاف أن تفرض عليهم، فتركها.

"فلما كان في عهد عمر رضي الله عنه ؛ جمعهم على قارئ واحدٍ، وأسرج المسجد فصارت هذه الهيئة - وهي اجتماعهم في المسجد وعلى إمامٍ واحدٍ مع الإسراج - عملاً لم يكونوا يعملونه من قبل، فسمي بدعةً؛ لأنه في اللغة يسمى بذلك، ولم يكن بدعةً شرعيةً، لأن السنة اقتضت أنه عمل صالح لولا خوف الافتراض، وخوف الافتراض زال بموته صلى الله عليه وسلم، فانتفى المعارض" (1 ) ) (2) .

الشبهة الخامسة: فهمهم لقول الله تعالى: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُم فاسقونْ) ]الحديد: 27[.

الجواب: (ليس في هذه الآية دليل على استحسان البدع من كل الوجوه المحتملة، فإذا كان قوله تعالى:(إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ) يرجع إلى قوله تعالى: (ابْتَدَعُوهَا) ؛ فمعناه أن الله لم يكتبها عليهم؛ إلا أنهم ابتدعوها بقصد زيادة التقرب إلى الله، وفي هذا ذم لها؛ لأن الله لم يفرضها عليهم، ويزداد التقبيح أنهم مع اختراعهم لها لم يرعوها حق رعايتها، وقصروا فيما ألزموا أنفسهم به، وهذا ضرب من التقبيح والتشنيع المضاعف.

وإذا كان راجعاً إلى قوله: (مَا كَتَبْنَاهَا) ؛ فمعناه أنهم ألزموا أنفسهم بابتداعها، فكتبها الله عليهم، أي أصبحت ديناً مشروعاً من لدن أحكم الحاكمين، وهذا ضرب من التقرير، وقد حدث مثله في ديننا، فكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقر أصحابه على أقوال وأفعال يأتون بها، لم تكن مشروعة من قبل، وبتقريره لها تصبح شرعاً يعبد الله به، وأمثلة ذلك في السنة كثير.

أما بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإن الشرع لم يعد بحاجة إلى زيادة؛ لأن الله أتمه وأكمله، ولم يترك الرسول صلى الله عليه وسلم شيئاً مما يقربنا من الجنة إلا وقد أمرنا به، ولم يدع أمراً يقربنا من النار إلا وقد نهانا عنه صلى الله عليه وسلم.

وجملة القول أن هذه الآية من شرع ما قبلنا، والراجح في علم الأصول أنه ليس شرعاً لنا؛ لأدلة كثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم:"أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي... فذكرها، وآخرها:"وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة"أخرجه البخاري ومسلم."

وعلى فرض صحة قول من قال:"شريعة من قبلنا شريعة لنا"فذلك مشروط بشرطين:

الأول: أن يثبت أن ذلك شرع ارتضاه الله لهم بنقل موثوق.

الثاني:أن لا يكون في شرعنا ما يخالفه.

وعليه؛ فالآية لا حجة فيها لمحسني البدع، لأن الإسلام بين أن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) (1) .

الشبهة السادسة: جمع القرآن بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم.

الجواب:

أولاً: (القرآن كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم مكتوباً في الصحف؛ لقوله تعالى:(يَتْلُو صُحُفاً مُطَهَّرَةً) ] البينة:2[ وقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"لا تكتبوا عني.ومن كتب عني غير القرآن فليمحه".أخرجه مسلم، لكنها كانت مفرقة، كما يدل على ذلك قول زيد بن ثابت رضي الله عنه في قصة جمع القرآن التي رواها البخاري:"فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال".

ثانياً: إن جمع القرآن لم يأت به الصحابة من تلقاء أنفسهم، بل هو تحقيق لوعد الله تعالى أيضاً بجمعه؛ كما وعد بحفظه: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) ] القيامة:17[.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت