فهرس الكتاب

الصفحة 2396 من 3657

وأوضح من السابق كله ما قاله ( ص39) في حكم إرسال اليدين في الصلاة، حيث صرح بقوله:"لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة؛ فهو بدعة لا شك".

ووصفَها (ص40) بأنها:"زلةٌ قبيحةٌ، حيث جعلوا البدعة مندوبة، والسنة مكروهةً!!".

قلت - القائل الشيخ علي الحلبي: وبيان كبير زلَله في هذا الموضعِ أن ( عدم الفعل) هو عين (الترك) !!

فاستدل بمجرد ( الترك) على الحكم بالبدعية والوصف بقبح الزلة!!

وهل غير هذا نقول؟!

أم أنه الانحراف عن الجادة؟ والخلط في تخريج الفروع على الأصول!!

وما أحسن كلامه ( ص51) مقلوباً على نفسه:"وأغلب أخطاء هؤلاء المبتدعة"

-وما أكثرها- تأتي من جهة جهلهم بالأصول، وعدم تمكنهم من قواعده، مع ضيقِ باعهم، وقلة اطلاعهم"!!"

فلا قوة إلا بالله، ولا رب سواه.

وصفوة القول في هذه المسألة العظيمة ما قاله الإمام الشافعي رحمه الله تعالى تقعيداً وتأصيلاً كما في"فتح الباري" (3/475) :"ولكنا نتبع السنة فعلاً أو تركاً") انتهى كلام الشيخ علي الحلبي جزاه الله خيراً.

الشبهة الثالثة عشر: أن بعض الصحابة قد فعلوا أمورا تعبدية ولم يكن فيها دليل خاص؛ ومع ذلك أقرهم الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ولم ينكر عليهم ذلك، كقصة خبيب بن عدي رضي الله عنه التي رواها البخاري وفيها أن المشركين لما أرادوا أن يقتلوه طلب منهم أن يتركوه لكي يصلى ركعتين قبل القتل فقال أبو هريرة راوي القصة:"فكان خبيب هو الذي سن الركعتين لكل امرئ مسلم قتل صبراً"، وقصة بلال رضي الله عنه عندما كان يصلي ركعتين بعد كل وضوء.

فدل ذلك على جواز إحداث أمور تعبدية وإن لم يفعلها الرسول صلى الله عليه وسلم.

الجواب:

(أن فعل الصحابة موقوفاً على إقرار النبي صلى الله عليه وسلم له، وكان فعلهم قبل نزول آية كمال الدين وتمام النعمة.

وأما بعدها مما ابتدعه الخلف فمن أين لهم أن يعلموا إن كان النبي صلى الله عليه وسلم يقره أو ينهى عنه؟

أبالكشف الصوفي؟!

ولئن أقر النبي صلى الله عليه وسلم فعل خبيب وبلال في الصلاة بعد كل وضوء فإنه لم يقر البراء بن عازب على خطئه في الدعاء الذي علمه إياه النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: (آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت) فقال البراء:"فجعلت استذكرهن: وبرسولك الذي أرسلت"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم": لا، وبنبيك الذي أرسلت"رواه البخاري ومسلم.

ولم يقر النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن مظعون على التبتل وسماه رهبنة، ولم يقر الصحابة الذين سألوا عن عبادةِ النبي صلى الله عليه وسلم فلما أخبروا بها، كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟

قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا؛ فأنا أصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟! أما والله؛ إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي؛ فليس مني"رواه البخاري وقد مر معنا سابقاً.

فمن أين تضمنون إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لبدعكم وقد مات؟ وقد بلغكم قبل موته أن كل بدعة في الدين مردودة؟) (1) .

وكل هذا يدل على أن ما أحدثه بعض الصحابة من أمور تعبدية أصبح سنة بإقرار الرسول صلى الله عليه وسلملا بمجرد فعل الصحابة.

وقد قال عبد الفتاح أبو غده (2) ؛ بعد ذكره لقصة خبيب بن عدي رضي الله عنه:

( قال العلامة القسطلاني في"إرشاد الساري"(5/165) :"وإنما صار فعل خبيب سنةً، لأنه فعل ذلك في حياة الشارع صلى الله عليه وسلم واستحسنه".

وقال أيضاً (5/261) :"وإنما صار ذلك سنةً، لأنه فعل في حياته صلى الله عليه وسلم فاستحسنه و أقره".

وقال أيضاً (6/314) :"واستشكل قوله:"أول من سن"، إذ السنة إنما هي أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفعاله وأحواله، وأجيب بأنه فعلهما في حياته صلى الله عليه وسلم واستحسنهما"انتهى كلام القسطلاني.

-ثم قال أبو غدة: وواضح من حديث أبي هريرة وقصة قتل خبيب فيه:

"أن لفظ ( السنة) ولفظَ ( سن) معناه: الفعل المشروع المتبوع في الدين، وعلى هذا فلا يصح لمتفقهٍ أن يستدل على سنية صلاة الركعتين عند القتل، بأن الحديث جاء فيه لفظ"سن"، فتكون صلاتهما سنةً مستحبةً، لأن حكم السنية لصلاة ركعتين هنا استفيد من دليلٍ آخر خارج لفظ"سن"بلا ريب وهو إقرار الرسول صلى الله عليه وسلم لفعله) (1) ."

الخاتمة: وتحتوي على طريق الخلاص من البدع

(بعد أن ظهر جلياً أن"كل بدعة ضلالة"، فما هو طريق الخلاص من البدع التي هي مفتاح الضلال؟

فالجواب هو ما قاله الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم:"تركت فيكم أمرين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله وسنتي"رواه مالك في"الموطأ"والحاكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت