وقد ألمح الإمام الشوكانى إلى إضافة جديدة خالف بها كلا من الخليل وسيبويه والزمخشرى ؛ لأن هؤلاء جعلوا"الصابئون"مقدما من تأخير كما تقدم ، أما هو فجعله قاراًّ في موضعه غير مقدم من تأخير بدليل قوله: ... 636
"والصابئون والنصارى كذلك"وهذه إضافة حسنة ومقبولة. وعليه يمكن جَعْل"النصارى"مرفوعة عطفاً على"الصابئون"ولا حاجة إلى جعلها منصوبة عطفاً على"إن الذين آمنوا"، والواقع أن هذا المذهب على جملته الذى ذهب إليه جمهور علماء البصرة ، وتابعهم فيه الإمام الشوكانى هو أقوى ما أورده النحاة في توجيه رفع"الصابئون"فى هذه الآية الكريمة. أما بقية الآراء ، فهى دون ذلك بكثير (7) . ... 636
هذا هو توجيه رفع"الصابئون"عند جمهور النحاة والمفسرين ، أما توجيهه بلاغة فهو ما يأتى: ... 636
إن مخالفة إعراب"الصابئون"عما قبلها سواء كانت مقدمة من تأخير على رأى الجمهور أو غير مقدمة على رأى الإمام الشوكانى وآخرين (8) وعما بعدها إن قدرنا"والنصارى"معطوفاً على"إن الذين آمنوا والذين هادوا ، بأن هذه المخالفة لمحة بلاغية رائعة ؛ تشير إلى وجود فرق كبير بين هذه الطوائف الأربع: ... 636"
-الذين آمنوا. ... 636
-الذين هادوا. ... 636
-النصارى. ... 636
-الصابئون. ... 636
فالطوائف الثلاث الأولى يربط بينها رابط قوى هو أن كل طائفة منها لها كتاب ورسول من عند الله عز وجل. ... 637
فالذين آمنوا لهم كتاب هو القرآن ، ورسول هو محمد صلى الله عليه وسلم . ... 637
والذين هادوا لهم كتاب هو التوراة ، ولهم رسول هو موسى عليه السلام. ... 637
والنصارى لهم كتاب هو الإنجيل ، ولهم رسول هو عيسى عليه السلام. ... 637
أما الصابئون ، فليس لهم كتاب ولا رسول ، وهم على ضلال مطبق لا ذرة من هداية فيه. ... 637
والمقام الذى تتحدث عنه الآية هو فتح باب القبول عند الله لكل من آمن إيماناً صحيحاً صادقاً وداوم على عمل الصالحات. فالإيمان يمحو ما قبله ولا ينظر الله إلى ماضيهم الذى كانوا عليه من كفر ومعاصٍ ، والآية بدأت بالذين آمنوا ليستمروا على إيمانهم الذى هم فيه ، ويلتزموا بعمل الصالحات والله سيجزيهم خير الجزاء على إيمانهم المستمر ، وصلاحهم الدائم (9) . ... 637
ثم ثنت بالذين هادوا ، يعنى: اليهود ، وهم كانوا في عصر نزول القرآن قد غالوا في دينهم ، وحادوا عن الحق ، وغيَّروا وبدَّلوا فيما أنزله الله على أنبيائهم فوعدهم الله إذا آمنوا إيماناً صحيحاً صادقاً ، وتابوا إلى الله من كل ما ابتدعوه في عقائدهم واتبعوا ما أنزل الله على خاتم رسله ؛ بأنهم سيكونون في أمنٍ من عذاب الله ، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ... 637
وكذلك النصارى حيث جعلوا لله صاحبة وولدا وغالوا كثيراً في دينهم ، إذا آمنوا إيماناً صحيحاً صادقاً ، وبرئوا من عقائدهم التى ابتدعوها ، وأصلحوا شأنهم ، وآمنوا بما أنزله الله على خاتم رسله ، ولزموا العمل الصالح ، كان سعيهم عند الله مشكوراً ، ووقاهم الله عز وجل من الخوف والحزن يوم يقوم الناس لرب العالمين. ... 637
ثم زاد الله في ترغيب هذه الفرق الثلاث فيما عنده بأن يجعل هذا الفضل للصابئين الذين خرجوا عن جميع الرسالات السماوية ، وإذا كان الله يقبل منهم إيمانهم إذا آمنوا ، ويثيبهم على عمل الصالحات. ... 637
فإن الذين آمنوا واليهود والنصارى أولى بالقبول عند الله ، إذا آمنوا وعملوا الصالحات. ... 637
ومن أجل هذا خولف إعراب و"الصابئون"ليلفت الأذهان عند قراءة هذه الآية أو سماعها إلى الوقوف أمام هذه المخالفة ، وليتساءل القارئ أو السامع ما سبب هذه المخالفة ، ثم يقوده هذا التساؤل إلى الحصول على هذا المعنى الذى تقدم. ... 638
فهذه المخالفة أشبه ما تكون بالنبر الصوتى في بعض الكلمات ، التى يراد لفت الأنظار إليها عند السامعين ؛ قالوا: والواو فى"والصابئون"ليست لعطف المفردات على نظائرها ، وإنما هى لعطف"الجمل"و"الواو"التى تعطف جملة على أخرى لا تعمل في مفردات الجملة المعطوفة ، لا رفعاً ولا نصباً ولا جراً. بل تربط بين الجملتين المعطوفة والمعطوف عليها في المعنى دون الحركات الإعرابية. ... 638
ولهذه الآية نظائر في مخالفة إعرابها لما قبلها اتخذ منها خصوم القرآن منشأ لشبهات مماثلة وسيأتى الحديث عنها كلا في موضعه إذا شاء الله تعالى. ... 638
والخلاصة: ... 638