يمثل نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم مشكلة حقيقية ومتكررة في أدبيات الفكر الغربي. ويظهر من حين لآخر هجوم عنيف على شخص النبي عليه الصلاة والسلام. يعتبر البعض أن هذا الهجوم حالة شاذة من قبل أفراد بأعيانهم، ويحاول طرف آخر أن يلقي باللائمة على نظريات المؤامرة، ويدعو ثالث إلى أن نتغير نحن حتى لا يهاجم رموزنا الآخرون. يرى الكاتب - من خلال الأدلة التاريخية والفكرية - أن الموقف الغربي من النبي عليه الصلاة والسلام لم يتغير بالمجمل، وأنه كان دائماً يغلب عليه صبغة العداء والاستهزاء، وإن اختلفت صور التعبير عن هذا الموقف بين فئات المجتمع الغربي المختلفة. يهدف المقال كذلك إلى التعرف على الأسباب الفكرية لهذا الموقف الغربي، وكيف يمكن مقاومة هذا الموقف عملياً للدفاع عن رموز الأمة الإسلامية.
مقدمة
شهدت الفترة الماضية ارتفاع نبرة المواجهة مرة أخرى بين العالم الإسلامي من ناحية، وبين أوربا من ناحية أخرى في ما يتعلق بالهجوم على شخص النبي محمد صلى الله عليه وسلم. ورغم أن هذا الهجوم تكرر كثيراً خلال الأعوام الماضية، وبصور متعددة، إلا إن العالم العربي والإسلامي لا يزال مصراً على التعامل مع كل حالة من تلك الحالات التي يهاجم فيها خير البشر، وكأنها حالة منعزلة وفردية، ويجب أن تعامل في هذا السياق. ويغيب عن الكثير من أبناء الأمة أن الموقف الفكري الغربي من النبي صلوات ربي وسلامه عليه كان دائماً موقفاً عدائياً، وإن اختلفت صور التعبير عن هذا العداء.
قصور في الفهم
يلقي البعض اللوم على الأمة الإسلامية لتخاذلها وضعفها من ناحية، أو لتكرار حوادث العنف التي تتبناها بعض فصائل الأمة تجاه الغرب. يرى البعض أن ما يسمى بالإرهاب الإسلامي هو سبب هجوم الغرب على الإسلام وعلى نبي الإسلام. ونسأل هؤلاء .. وهل كان الغرب يمدح النبي صلى الله عليه وسلم، أو حتى يسكت عن إيذاء شخصه الكريم وإهانته عندما كانت الأمة الإسلامية في حالة وفاق وسلام تام مع دول الغرب؟ إن الغرب لم يتوقف عن الهجوم على رسول الإسلام طوال القرون الماضية، وهو موقف عام لم يشذ عنه إلا القليل من المفكرين والمتدينين.
يرى البعض الآخر أن الهجوم على الإسلام أو على نبيه الكريم ليس إلا حالات فردية لمن يبتغون الشهرة، أو من يحملون أحقاداً على الإسلام. ويقوم هؤلاء بسرد بعض النقولات التاريخية أو المعاصرة لمفكرين غربيين يمدحون شخص النبي، ويعتبرون أو وجود هؤلاء يقدح في فكرة وجود عداء فكري عام في الغرب تجاه الإسلام أو شخص الرسول الكريم. والحقيقة أن الاستشهاد ببعض الأقوال - مع حذف السياق التاريخي لها - يمكن أن يكون مقنعاً بوجود إعجاب من بعض المفكرين الغربيين بشخصية النبي صلى الله عليه وسلم.
لكن ما يغيب عن هذه الرؤية، ويعيبها أيضاً .. أن الفكر الغربي يتحرك وفق مجموعة من المسلمات الأساسية التي تخالف بقوة الدعوة المحمدية في المبادئ والمسلمات، وبالتالي فإن الأصل في العلاقة الفكرية بين الغرب وبين الإسلام لم يكن يوماً ما التوافق وإنما كانت العلاقة دائماً من النواحي الفكرية تميل إلى المواجهة وعدم الاتفاق. ويجب هنا أن نفصل بين أمرين: الأول هو العلاقات بين الشعوب، والتي كانت في كثير من الأحيان تميل إلى السلام والوئام، وكذلك العلاقات السياسية التي تتبدل وتتغير وفق المصالح. أما الأمر الثاني فهو الرؤى الفكرية تجاه النبي، والتي لم تتغير كثيراً في الغرب منذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وحتى التاريخ المعاصر، وكانت في مجملها رؤى ومواقف معادية وصدامية. إن الأحكام الفكرية لابد وأن تنطلق من الرؤى المشتركة والمستمرة عبر فترات زمنية طويلة، ولا تقاس على ما شذ من الأقوال أو الأفكار. والغرب عبر تاريخه الطويل من المواجهة الفكرية والدينية مع العالم الإسلامي كان دائماً يميل إلى الطعن في شخص النبي، وهو ما لم يتغير عبر قرون طويلة من العلاقة مع الغرب، ولذلك أسباب سيأتي بيانها في هذا المقال.
هل الغرب كيان فكري واحد؟
إن من المهم قبل دراسة الموقف الفكري الغربي من النبي صلى الله عليه وسلم أن نبين أن الغرب ليس كياناً واحداً فيما يتعلق بالسياسات وطبائع الشعوب، ومواقف الدول من العالم العربي والإسلامي. كما أن الغرب ليس كياناً واحداً أيضاً فيما يتعلق باهتماماته الدينية ومدى اقترابه أو ابتعاده عن دعوة ورسالة نبي الله عيسى عليه السلام. فليس كل الغرب متديناً وليس كل الغرب علمانياً أيضاً، وهناك فوارق كبيرة بين المدارس والمذاهب الدينية المختلفة داخل المسيحية في الغرب.