فهرس الكتاب

الصفحة 2479 من 3657

لكن رغم كل هذا التباين والاختلاف في السياسات والطبائع والتوجهات، إلا أن الغرب يكاد يكون كياناً واحداً عندما يتعلق الأمر بالجوانب الفكرية المتعلقة بعلاقاته مع الحضارات الأخرى والديانات التي تختلف عن ديانات الغرب. فرغم تعدد المدارس الفلسفية والفكرية في الغرب، إلا أن هناك قدر مشترك وواضح من المفاهيم الفكرية الأساسية عندما يتعلق الأمر بالرؤى المقابلة حول مستقبل البشرية وهدف الإنسان من الحياة على الأرض. لذلك فإن من الممكن أن يتم الحديث عن الغرب بوصفه كياناً واحداً عندما يتعلق الأمر بالحياة الفكرية الغربية في مقابل الحضارات الأخرى.

وسوف تتعامل هذه الدراسة مع الغرب ككيان فكري واحد من ناحية المنطلقات الأساسية للحضارة الغربية، والمبادئ التي قامت هذه الحضارة عليها، وعلاقة ذلك بموقف الغرب من النبي صلى الله عليه وسلم.

مشكلات الفكر الغربي مع نبي الإسلام

لكي ننجح في فهم علاقة الغرب فكرياً بنبي الإسلام صلى الله عليه وسلم، فلابد أن نبتعد قليلاً عن المواقف، وندرس المبادئ. إن المواقف ليست إلا تعبيرات واقعية عن الأفكار الكامنة في الشخصية الغربية، والتي تكونت عبر قرون طويلة من التأثير الفكري الذي كون قناعات راسخة لا تتزعزع داخل الشخصية الغربية فيما يتعلق بعلاقتها بالخالق، وعلاقتها بالكون والطبيعة والآخرين من البشر. وهذه القناعات تتصادم بشدة مع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك نشأ العداء وليس من المتوقع أن يقل أو ينتهي في القريب. وهذه مجموعة من الأسباب الفكرية التي ساهمت في تكون علاقة العداء على المستوى الفكري.

مركزية الله أم مركزية الإنسان

إن المشكلة الرئيسة في علاقة الغرب فكرياً بالعالم الإسلامي، وعداء الغرب للنبي صلى الله عليه وسلم، هو مركزية الله تعالى في الكون لدى المسلمين، والتي تتجسد في دعوة محمد صلى الله عليه وسلم، وفي دين الإسلام وفي واقع الأمة الإسلامية بصرف النظر عن درجة تدين والتزام أفراد هذه الأمة.

إن الغرب في المقابل ينطلق فكرياً - وبكل فئات مجتمعاته وكل مفكريه - من فكرة مركزية الإنسان في الكون، وأن الفرد هو مركز الاهتمام الرئيس، وأن تطلعات الفرد وحقوقه وحرياته تقدم على أي أمر آخر، وحتى أمور العبادة وعلاقة الفرد بالإله.

إن الغرب يرى أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد قدم مفهوماً يمكن أن يهدم الفكر الغربي من أساسه .. وهو مركزية الله تعالى في حياة البشرية مقابل نظريات الغرب التي تقوم على مركزية الإنسان. لذلك اختار الغرب أن يجعل عداء الإسلام ضمن منظومة قيمه الرئيسة لأنه بذلك يتمكن من إبقاء الفرد مركزاً للكون في مواجهة دعوة محمداً صلى الله عليه وسلم التي حافظت على مكانة الخالق جل وعلا ومركزيتها في حياة البشر.

وحول ذلك تحدثت المؤلفة البريطانية كارين أرمسترونج - صاحبة كتاب"محمد"قائلة:"علينا أن نتذكر أن الاتجاه العدائي ضد الإسلام في الغرب هو جزء من منظومة القيم الغربية، التي بدأت في التشكل مع عصر النهضة والحملات الصليبية وهي بداية استعادة الغرب لذاته الخاصة مرة أخرى. فالقرن الحادي عشر كان بداية لأوروبا الجديدة وكانت الحملات الصليبية بمثابة أول رد فعل جماعي تقوم به أوروبا الجديدة." [1]

بين محمد والمسيح

تمحور الفكر الغربي حول شخصية المسيح عليه السلام. وتحولت شخصية المسيح بعد تحريف الدين المسيحي إلى تجسيد للفكر الغربي حول مركزية الفرد في الكون. فقد تحول الإله في نظر المتدينين إلى شخص .. إله في صورة فرد .. دفع دمه ثمناً مقدماً لجميع خطاياهم القادمة. وعندما سيطر الفكر النفعي على الشخصية الغربية، أصبح التعلق بشخص المسيح يمثل قمة النفعية لمن اختاروا التدين، فهو قد قام بدفع فاتورة خطاياهم حتى قبل أن يقعوا فيها، وأبقى لهم الحياة لكي يمارسوا فيها ما شاءوا من أفعال طالما أن محبة المسيح - كفرد وكإله - تسيطر على مشاعرهم. أما من تركوا الدين المسيحي بأكمله، وأصبحوا لادينيين أو ملحدين، فقد كان المسيح - بعد تحريف الدين - أيضاً مركزياً في مواقفهم الفكرية .. فهو فرد، وبالتالي لا يمكن أن يختلف عن غيره من البشر، وبالتالي فليس هناك إله - بزعمهم. كما أن المسيح بصورته التي قامت الكنيسة الغربية بتصويرها رحيم منعزل عن حياة الناس .. يقبل بكل معايير الحياة الإنسانية، ولا يدعو إلا إلى الحرية والمساواة .. وهي أهم قيم العلمانية ولا تصادم من تركوا الدين، وبالتالي فلا حاجة إلى مصادمة المسيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت