فهرس الكتاب

الصفحة 249 من 3657

وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعث الله رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة كما قال سبحانه: {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ًونذيرًا ولكن أكثر الناس لا يعلمون} سبأ/28.

وقد أنزل الله على رسوله القرآن يهدي به الناس ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذن ربهم قال تعالى: {كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد} إبراهيم/1.

وقد ولد الرسول محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي بمكة عام الفيل الذي جاء أصحابه لهدم الكعبة فأبادهم الله وتوفي أبوه وهو في بطن أمه ولما ولد محمد أرضعته حليمة السعدية ثم زار أخواله في المدينة مع أمه آمنة بنت وهب وفي طريق العودة إلى مكة توفيت أمه بالأبواء وعمره ست سنين ثم كفله جده عبد المطلب فمات وعمر محمد ثمان سنين ثم كفله عمه أبو طالب يرعاه ويكرمه ويدافع عنه أكثر من أربعين سنة وتوفي أبو طالب ولم يؤمن بدين محمد خشية أن تعيره قريش بترك دين آبائه.

وكان محمد في صغره يرعى الغنم لأهل مكة ثم سافر إلى الشام بتجارة لخديجة بنت خويلد وربحت التجارة وأعجبت خديجة بخلقه وصدقه وأمانته فتزوجها وعمره خمس وعشرون سنة وعمرها أربعون سنة ولم يتزوج عليها حتى ماتت.

وقد أنبت الله محمدًا صلى الله عليه وسلم نباتًا حسنًا وأدبه فأحسن تأديبه ورباه وعلمه حتى كان أحسن قومه خَلقًا وخُلقًا وأعظمهم مروءة وأوسعهم حلمًا وأصدقهم حديثًا وأحفظهم أمانة حتى سماه قومه بالأمين.

ثم حُبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء الأيام والليالي يتعبد فيه ويدعو ربه وأبغض الأوثان والخمور والرذائل فلم يلتفت إليها في حياته.

ولما بلغ محمدًا صلى الله عليه وسلم خمسًا وثلاثين سنة شارك قريشًا في بناء الكعبة لما جرفتها السيول فلما تنازعوا في وضع الحجر الأسود حكموه في الأمر فدعا بثوب فوضع الحجر فيه ثم أمر رؤساء القبائل أن يأخذوا بأطرافه فرفعوه جميعًا ثم أخذه محمد فوضعه في مكانه وبنى عليه فرضي الجميع وانقطع النزاع.

وكان لأهل الجاهلية صفات حميدة كالكرم والوفاء والشجاعة وفيهم بقايا من دين إبراهيم كتعظيم البيت والطواف به والحج والعمرة وإهداء البدن وإلى جانب هذا كانت لهم صفات وعادات ذميمة كالزنا، وشرب الخمور وأكل الربا وقتل البنات والظلم، وعبادة الأصنام.

وأول من غير دين إبراهيم ودعا إلى عبادة الأصنام عمرو بن لحي الخزاعي فقد جلب الأصنام إلى مكة وغيرها ودعا الناس إلى عبادتها ومنها ود، وسواع، ويغوث، ويعوق, ونسرا.

ثم اتخذ العرب أصنامًا أخرى ومنها صنم مناة بقديد واللات بالطائف والعزى بوادي نخلة وهبل في جوف الكعبة وأصنام حول الكعبة وأصنام في بيوتهم واحتكم الناس إلى الكهان والعرافين والسحرة.

ولما انتشر الشرك والفساد بهذه الصورة بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم وعمره أربعون سنة يدعو الناس إلى عبادة الله وحده وترك عبادة الأصنام فأنكرت عليه قريش ذلك وقالت: {أجعل الآلهة ألهًا واحدًا إن هذا لشيء عجاب} ص/5.

وظلت هذه الأصنام تعبد من دون الله حتى بعث الله رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم بالتوحيد فكسرها وهدمها هو وأصحابه رضوان الله عليهم فظهر الحق وزهق الباطل: {وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا} الإسراء/81.

وأول ما نزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم في غار حراء الذي كان يتعبد فيه حيث جاءه جبريل فأمره أن يقرأ فقال الرسول ما أنا بقارئ فكرر عليه وفي الثالثة قال له: {اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم} العلق/1-2-3.

فرجع الرسول، وفؤاده يرجف، ودخل على زوجته خديجة ثم أخبرها وقال لقد خشيت على نفسي فطمأنته وقالت: (والله لا يخزيك الله أبدًا إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقرى الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق) ثم انطلقت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل وكان قد تنصر فلما أخبره بشره وقال له هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى وأوصاه بالصبر إذا آذاه قومه وأخرجوه.

ثم فتر الوحي مدة فحزن الرسول صلى الله عليه وسلم فبينما هو يمشي يومًا إذ رأى الملك مرة أخرى بين السماء والأرض فرجع إلى منزله وتدثر فأنزل الله عليه: (يا أيها المدثر، قم فأنذر) المدثر/1-2، ثم تتابع الوحي بعد ذلك على الرسول صلى الله عليه وسلم.

أقام النبي في مكة ثلاثة عشر عامًا يدعوا إلى عبادة الله وحده سرًا ثم جهرًا حيث أمره الله أن يصدع بالحق فدعاهم بلين ولطف من غير قتال فأنذر عشيرته الأقربين ثم أنذر قومه ثم أنذر من حولهم ثم أنذر العرب قاطبة ثم أنذر العالمين. ثم قال سبحانه: (فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين) الحجر/94.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت