فهرس الكتاب

الصفحة 250 من 3657

وقد آمن بالرسول قلة من الأغنياء والأشراف والضعفاء والفقراء والعبيد رجالًا ونساءً وأوذي الجميع في دينهم فعُذِّبَ بعضهم وقتل بعضهم، وهاجر بعضهم إلى الحبشة فرارًا من أذى قريش وأوذي معهم الرسول صلى الله عليه وسلم فصبر حتى أظهر الله دينه.

ولما بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم خمسين سنة ومضى عشر سنوات من بعثته مات عمه أبو طالب الذي كان يحميه من أذى قريش ثم ماتت من بعده زوجته خديجة التي كانت تؤنسه فاشتد عليه البلاء من قومه وتجرؤا عليه وآذوه بصنوف الأذى وهو صابر محتسب. صلوات الله وسلامه عليه.

ولما اشتد عليه البلاء وتجرأت عليه قريش خرج إلى الطائف ودعا أهلها إلى الإسلام فلم يجيبوه، بل آذوه ورموه بالحجارة حتى أدموا عقبيه، فرجع إلى مكة وظل يدعوا الناس إلى الإسلام في الحج وغيره.

ثم أسرى الله برسوله ليلا ًمن المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى راكبًا على البراق بصحبة جبريل، فنزل وصلى بالأنبياء ثم عرج به إلى السماء الدنيا فرأى فيها آدم، وأرواح السعداء عن يمينه وأرواح الأشقياء عن شماله ثم عرج به إلى السماء الثانية فرأى فيها عيسى ويحيى ثم إلى الثالثة فرأى فيها يوسف ثم إلى الرابعة فرأى فيها إدريس ثم إلى الخامسة فرأى فيها هارون ثم إلى السادسة فرأى فيها موسى ثم إلى السابعة فرأى فيها إبراهيم ثم رفع إلى سدرة المنتهى ثم كلمه ربه فأكرمه وفرض عليه وعلى أمته خمسين في اليوم والليلة ثم خففها إلى خمس في العمل وخمسين في الأجر واستقرت الصلاة خمس صلوات في اليوم والليلة إكرامًا منه لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ثم رجع إلى مكة قبل الصبح فقص عليهم ما جرى له فصدقه المؤمنون وكذبه الكافرون: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير} الإسراء/1.

ثم هيأ الله لرسوله صلى الله عليه وسلم من ينصره فالتقى في موسم الحج برهط من المدينة من الخزرج فأسلموا ثم رجعوا إلى المدينة، ونشروا فيها الإسلام فلما كان العام المقبل صاروا بضعة عشر فالتقى بهم الرسول صلى الله عليه وسلم فلما انصرفوا بعث معهم مصعب بن عمير يقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام فأسلم على يديه خلق كثير، منهم زعماء الأوس سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير.

فلما كان العام المقبل وجاء موسم الحج خرج منهم ما يزيد على سبعين رجلًا من الأوس والخزرج فدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد أن هجره وآذاه أهل مكة، فواعدهم الرسول في إحدى ليالي التشريق عند العقبة فلما مضى ثلث الليل خرجوا للميعاد فوجدوا الرسول صلى الله عليه وسلم ومعه عمه العباس ولم يؤمن إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه فتكلم العباس، والرسول، والقوم بكلام حسن ثم بايعهم الرسول صلى الله عليه وسلم على أن يهاجر إليهم في المدينة على أن يمنعوه، وينصروه ويدافعوا عنه، ولهم الجنة فبايعوه واحدًا, واحدا ً, ثم انصرفوا ثم علمت بهم قريش فخرجوا في طلبهم، ولكن الله نجاهم منهم، وبقي الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة إلى حين: {ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز} الحج/40.

ثم أمر الرسول أصحابه بالهجرة إلى المدينة فهاجروا أرسالًا إلا من حبسه المشركون ولم يبق بمكة من المسلمين إلا رسول الله وأبو بكر وعلي فلما أحس المشركون بهجرة أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة خافوا أن يلحق بهم فيشتد أمره فتآمروا على قتله فأخبر جبريل رسول الله بذلك فأمر الرسول عليًا أن يبيت في فراشه، ويرد الودائع التي كانت عند الرسول صلى الله عليه وسلم لأهلها وبات المشركون عند باب الرسول ليقتلوه إذا خرج فخرج من بينهم وذهب إلى بيت أبي بكر بعد أن أنقذه الله من مكرهم وأنزل الله: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} الأنفال/30.

ثم عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الهجرة إلى المدينة، فخرج هو وأبو بكر إلى غار ثور ومكثا فيه ثلاث ليال واستأجرا عبد الله بن أبي أريقط وكان مشركًا ليدلهما على الطريق، وسلماه راحلتيهما فذعرت قريش لما جرى وطلبتهما في كل مكان، ولكن الله حفظ رسوله فلما سكن الطلب عنهما، ارتحلا إلى المدينة فلما أيست منهما قريش بذلوا لمن يأتي بهما أو بأحدهما مائتين من الإبل فجد الناس في الطلب وفي الطريق إلى المدينة، علم بهما سراقة بن مالك وكان مشركًا فأرادهما فدعا عليه الرسول صلى الله عليه وسلم فساخت قوائم فرسه في الأرض فعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم ممنوع، وطلب من الرسول أن يدعوا له ولا يضره فدعا له الرسول صلى الله عليه وسلم، فرجع سراقة، ورد الناس عنهما ثم أسلم بعد فتح مكة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت