فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 3657

وصدق الله العظيم . الغني عن العالمين . الذي لا يناله من هداهم أو ضلالهم شيء ولكنه بهم رحيم!

ذلك هو الصراط المستقيم . فأما القول بأن الله هو المسيح بن مريم فهو الكفر؛ وأما القول بأن اليهود والنصارى هم أبناء الله وأحباؤه ، فهو الافتراء الذي لا يستند إلى دليل . . وهذا وذلك من مقولات أهل الكتاب ، التي تخفي نصاعة التوحيد؛ والتي جاءهم الرسول الأخير ليكشف عن الحقيقة فيها ، ويرد الشاردين المنحرفين عن هذه الحقيقة إليها:

{ لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم . قل: فمن يملك من الله شيئًا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعًا؟ ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما ، يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير } . .

إن الذي جاء به عيسى - عليه السلام - من عند ربه هو التوحيد الذي جاء به كل رسول .

والإقرار بالعبودية الخالصة لله شأن كل رسول . . ولكن هذه العقيدة الناصعة أدخلت عليها التحريفات؛ بسبب دخول الوثنيين في النصرانية؛ وحرصهم على رواسب الوثنية التي جاءوا بها ومزجها بعقيدة التوحيد ، حتى لم يعد هناك إمكان لفصلها وفرزها وتنقية جوهر العقيدة منها .

ولم تجئ هذه الانحرافات كلها دفعة واحدة؛ ولكنها دخلت على فترات؛ وأضافتها المجامع واحدة بعد الأخرى؛ حتى انتهت إلى هذا الخليط العجيب من التصورات والأساطير ، الذي تحار فيه العقول .

حتى عقول الشارحين للعقيدة المحرفة من أهلها المؤمنين بها!

وقد عاشت عقيدة التوحيد بعد المسيح - عليه السلام - في تلامذته وفي أتباعهم . وأحد الأناجيل الكثيرة التي كتبت - وهو إنجيل برنابا - يتحدث عن عيسى - عليه السلام - بوصفه رسولًا من عند الله . ثم وقعت بينهم الاختلافات . فمن قائل: إن المسيح رسول من عند الله كسائر الرسل . ومن قائل: إنه رسول نعم ولكن له بالله صلة خاصة . ومن قائل: إنه ابن الله لأنه خلق من غير أب ، ولكنه على هذا مخلوق لله . ومن قائل: إنه ابن الله وليس مخلوقًا بل له صفة القدم كالأب . .

ولتصفية هذه الخلافات اجتمع في عام 325 ميلادية « مجمع نيقية » الذي اجتمع فيه ثمانية وأربعون ألفًا من البطارقة والأساقفة . قال عنهم ابن البطريق أحد مؤرخي النصرانية:

« وكانوا مختلفين في الآراء والأديان . فمنهم من كان يقول: إن المسيح وأمه إلهان من دون الله . وهم » البربرانية « . . ويسمون: » الريمتيين « . ومنهم من كان يقول: إن المسيح من الأب بمنزلة شعلة نار انفصلت من شعلة نار ، فلم تنقص الأولى بانفصال الثانية منها . وهي مقالة » سابليوس « وشيعته . ومنهم من كان يقول: لم تحبل به مريم تسعة أشهر ، وإنما مر في بطنها كما يمر الماء في الميزاب ، لأن الكلمة دخلت في أذنها ، وخرجت من حيث يخرج الولد من ساعتها . وهي مقالة » إليان « وأشياعه . ومنهم من كان يقول: إن المسيح إنسان خلق من اللاهوت كواحد منا في جوهره ، وإن ابتداء الابن من مريم ، وإنه اصطفي ليكون مخلصًا للجوهر الإنسي ، صحبته النعمة الإلهية ، وحلت فيه بالمحبة والمشيئة ، ولذلك سمي » ابن الله « ويقولون: إن الله جوهر قديم واحد ، وأقنوم واحد ، ويسمونه بثلاثة أسماء ، ولا يؤمنون بالكلمة ، ولا بروح القدس . وهي مقالة » بولس الشمشاطي « بطريرك أنطاكية وأشياعه وهم » البوليقانيون « . ومنهم من كان يقول: إنهم ثلاثة آلهة لم تزل: صالح ، وطالح ، وعدل بينهما . وهي مقالة » مرقيون « اللعين وأصحابه! وزعموا أن » مرقيون « هو رئيس الحواريين وأنكروا » بطرس « . ومنهم من كانوا يقولون بألوهية المسيح . وهي مقالة » بولس الرسول « ومقالة الثلاثمائة وثمانية عشر أسقفًا . .

وقد اختار الإمبراطور الروماني » قسطنطين « الذي كان قد دخل في النصرانية من الوثنية ولم يكن يدري شيئًا من النصرانية! هذا الرأي الأخير وسلط أصحابه على مخالفيهم ، وشرد أصحاب سائر المذاهب؛ وبخاصة القائلين بألوهية الأب وحده ، وناسوتية المسيح .

وقد ذكر صاحب كتاب تاريخ الأمة القبطية عن هذا القرار ما نصه:

» إن الجامعة المقدسة والكنيسة الرسولية تحرم كل قائل بوجود زمن لم يكن ابن الله موجودًا فيه .

وأنه لم يوجد قبل أن يولد . وأنه وجد من لا شيء . أو من يقول: إن الابن وجد من مادة أو جوهر غير جوهر الله الآب . وكل من يؤمن أنه خلق ، أو من يقول: إنه قابل للتغيير ، ويعتريه ظل دوران « .

ولكن هذا المجمع بقراراته لم يقض على نحلة الموحدين أتباع » آريوس « وقد غلبت على القسطنطينية ، وأنطاكية ، وبابل ، والإسكندرية ، ومصر .

ثم سار خلاف جديد حول » روح القدس « فقال بعضهم: هو إله ، وقال آخرون: ليس بإله! فاجتمع » مجمع القسطنطينية الأول « سنة 381 ليحسم الخلاف في هذا الأمر .

وقد نقل ابن البطريق ما تقرر في هذا المجمع ، بناء على مقالة أسقف الإسكندرية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت