فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 3657

» قال ثيموثاوس بطريك الإسكندرية: ليس روح القدس عندنا بمعنى غير روح الله . وليس روح الله شيئًا غير حياته . فإذا قلنا إن روح القدس مخلوق ، فقد قلنا: إن روح الله مخلوق . وإذا قلنا: إن روح الله مخلوق ، فقد قلنا: إن حياته مخلوقة . وإذا قلنا: إن حياته مخلوقة ، فقد زعمنا أنه غير حي . وإذا زعمنا أنه غير حي فقد كفرنا به . ومن كفر به وجب عليه اللعن «!!!

وكذلك تقررت ألوهية روح القدس في هذا المجمع ، كما تقررت ألوهية المسيح في مجمع نيقية . وتم » الثالوث « من الآب . والابن . وروح القدس . .

ثم ثار خلاف آخر حول اجتماع طبيعة المسيح الإلهية وطبيعته الإنسانية . . أو اللاهوت والناسوت كما يقولون . . فقد رأى » نسطور « بطريرك القسطنطينية أن هناك أقنومًا وطبيعة . فأقنوم الألوهية من الآب وتنسب إليه؛ وطبيعة الإنسان وقد ولدت من مريم ، فمريم أم الإنسان - في المسيح - وليست أم الإله! ويقول في المسيح الذي ظهر بين الناس وخاطبهم - كما نقله عنه ابن البطريق:

» إن هذا الإنسان الذي يقول: إنه المسيح . . بالمحبة متحد مع الابن . . ويقال: إنه الله وابن الله ، ليس بالحقيقة ولكن بالموهبة « . .

ثم يقول: » إن نسطور ذهب إلى أن ربنا يسوع المسيح لم يكن إلهًا في حد ذاته بل هو إنسان مملوء من البركة والنعمة ، أو هو ملهم من الله ، فلم يرتكب خطيئة ، وما أتى أمرًا إدًا « .

وخالفه في هذا الرأي أسقف رومه ، وبطريرك الإسكندرية ، وأساقفة أنطاكية ، فاتفقوا على عقد مجمع رابع . وانعقد » مجمع أفسس « سنة 431 ميلادية . وقرر هذا المجمع - كما يقول ابن البطريق -:

» أن مريم العذراء والدة الله . وأن المسيح إله حق وإنسان ، معروف بطبيعتين ، متوحد في الأقنوم « . . ولعنوا نسطور!

ثم خرجت كنيسة الإسكندرية برأي جديد ، انعقد له » مجمع أفسس الثاني « وقرر:

» أن المسيح طبيعة واحدة ، اجتمع فيها اللاهوت بالناسوت « .

ولكن هذا الرأي لم يسلم؛ واستمرت الخلافات الحادة؛ فاجتمع مجمع « خلقيدونية » سنة 451 وقرر:

« أن المسيح له طبيعتان لا طبيعة واحدة . وأن اللاهوت طبيعة وحدها ، والناسوت طبيعه وحدها ، التقتا في المسيح » . . ولعنوا مجمع أفسس الثاني!

ولم يعترف المصريون بقرار هذا المجمع . ووقعت بين المذهب المصري « المنوفيسية » والمذهب « الملوكاني » الذي تبنته الدولة الإمبراطورية ما وقع من الخلافات الدامية ، التي سبق أن أثبتنا فيها مقالة: « سير . ت . و . أرنولد » في كتابه « الدعوة إلى الإسلام » في مطالع تفسير سورة آل عمران . .

ونكتفي بهذا القدر في تصوير مجمل التصورات المنحرفة حول ألوهية المسيح؛ والخلافات الدامية والعداوة والبغضاء التي ثارت بسببها بين الطوائف ، وما تزال إلى اليوم ثائرة . .

وتجيء الرسالة الأخيرة لتقرر وجه الحق في هذا القضية؛ ولتقول كلمة الفصل؛ ويجيء الرسول الأخير ليبين لأهل الكتاب حقيقة العقيدة الصحيحة:

{ لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم } . . { لقد كفر الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة } ( كما سيجيء في السورة ) .

ويثير فيهم منطق العقل والفطرة والواقع:

{ قل: فمن يملك من الله شيئًا إن أراد أن يهلك المسيح بن مريم ، وأمه ، ومن في الأرض جميعًا؟ } .

فيفرق تفرقة مطلقة بين ذات الله سبحانه وطبيعته ومشيئته وسلطانه ، وبين ذات عيسى - عليه السلام - وذات أمه ، وكل ذات أخرى ، في نصاعة قاطعة حاسمة . فذات الله - سبحانه - واحدة . ومشيئته طليقة ، وسلطانه متفرد ، ولا يملك أحد شيئًا في رد مشيئته أو دفع سلطانه إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعًا . .

وهو - سبحانه - مالك كل شيء ، وخالق كل شيء ، والخالق غير المخلوق . وكل شيء مخلوق:

{ ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما ، يخلق ما يشاء ، والله على كل شيء قدير } . .

وكذلك تتجلى نصاعة العقيدة الإسلامية ، ووضوحها وبساطتها . . وتزيد جلاء أمام ذلك الركام من الانحرافات والتصورات والأساطير والوثنيات المتلبسة بعقائد فريق من أهل الكتاب وتبرز الخاصية الأولى للعقيدة الإسلامية . في تقرير حقيقة الألوهية ، وحقيقة العبودية ، والفصل التام الحاسم بين الحقيقتين . بلا غبش ولا شبهة ولا غموض . .

واليهود والنصارى يقولون: إنهم أبناء الله وأحباؤه:

{ وقالت اليهود والنصارى: نحن أبناء الله وأحباؤه } . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت