طوراً تمدك في نُعمى وعافيةٍ وتارةً في قرار البؤس والوَصَم
كم ضلَّلتكَ ، ومَن تُحجَبْ بصيرتُه إن يلقَ صابا يرد ، أوعلقماً يَسُم
يا ويلتاهُ لنفسي ! راعها ودَها مُسودَّةُ الصحف في مبيضةِ اللّمَم
ركضتها في مريع المعصياتِ ، وما أخذت من حمية الطاعات للتُّخَم
هامت على أثرِ اللَّذاتِ تطلبهُها والنفس إن يدعُها داعي الصِّبا تَهم
صلاحث أمركِ للأخلاقِ مرجعُه فقوِّم النفسَ بالأخلاقِ تستقم
والنفسُ من خيرها في خير عافيةٍ والنفسُ من شرها في مرتعٍ وخِم
طغي إذا مُكِّنَتْ من لذَّةٍ وهوىً طغيَ الجيادِ إذا عَضَّت على الشُّكُم
إنْ جَلَّ ذَنبي عن الغُفران لي أملٌ في الله يجعلي في خير معتصم
أُلقي رجائي إذا عزَّ المُجيرُ على مُفرِّج الكرب في الدارينِ والغمَم
إذا خفضتُ جَناحَ الذُّلِّ أسأله عِزَّ الشفاعةِ ؛ لم أسأل سوى أمَم
وإن تقدّم ذو تقوى بصالحةٍ قدّمتُ بين يديه عَبْرَةَ الندَم
لزِمتُ بابَ أمير الأنبياءِ، ومَنْ يمسِكْ بمفتاح باب الله يغتنم
فكلُّ فضلٍ ، وإحسانٍ ، وعارفةٍ ما بين مستلم منه ومُلتزم
علقتُ من مدحهِ حبلاً أعزُّ به في يوم لا عزَّ بالأنسابِ واللُّحَم
يُزِري قَرِيضي زُهيراً حين أمدحُه ولا يقاسُ إلى جودي لدَى هَرِم
محمدٌ صفوةُ الباري ، ورحمته وبغيةُ الله من خلقٍ ومن نَسَم
وصاحبُ الحوض يومَ الرُّسلُ سائلةٌ متى الورودُ ؟ وجبريل الأمين ظَمي
سناؤه وسناهُ الشمسُ طالعةً فالجِرمُ في فلكٍ ، والضوء في عَلَم
نُمُوا إليه ، فزادوا في الورى شرَفاً ورُبَّ أصلٍ لفرع في الفخار نُمي
حَواه في سُبُحاتِ الطُّهرِ قبلهم نوران قاما مقام الصُّلبِ والرَّحِم
لما رآه بَحيرا قال: نعرفُه بما حفظنا من الأسماءِ والسِّيم
سائل حِراء، وروحَ القدس: هل عَلما مَصونَ سِرٍّ عن الإدراكِ مُنْكَتِم؟
كم جيئةٍ وذهاب شُرِّفتْ بهما بَصحاءُ مكة في الإصباح والغَسَم
ووحشةٍ لابن عبد الله بينهما أشهى من الأُنس بالأحباب والحشم
يُسامر الوحيَ فيها قبل مهبطه ومَن يبشِّرْ بسشِمَى الخير يَتَّسِم
لما دعا الصّحبُ يسيسقونَ من ظمإ فاضتْ يداه من التسنيم بالسَّنِم
وظلَّلته، فصارت تستظلُّ به غمامةٌ جذَبَتْها خيرةُ الديَم
محبةٌ لرسولِ اللهِ أُشرِبَها قعائدُ الدَّيْرِ ، والرُّهبانُ في القِمم
إنّ الشمائلَ إن رَقَّتْ يكاد بها يُغرى الجَمادُ ، ويغرى كلُّ ذي نَسمَ
ونودي: اقرأ تعالى الله قائلها لم تتصل قبل مَن قيلتْ له بفم
هناك أذَّنَ للرحمنِ ، فامتلأت أسماعُ مكَّةَ مِن قُدسيّةِ النَّغم
فلا تسلْ عن قريش كيف حيرتُها ؟ وكيف نُفْرُتها في السهل والعَلم؟
تساءلوا عن عظيمٍ قد ألمَّ بهم رمَى المشايخَ والولدانَ باللَّمم
يا جاهلين عللى الهادي ودعوته هل تجهلون مكان الصادِقِ العَلم؟
لقَّبتموهُ أمينَ القومِ في صغرٍ وما الأمينُ على قولٍ بمتهم
فاقَ البدورَ ، وفاق الأنبياء، فكمْ بالخلق والخَلق مِن حسنٍ ومن عِظم
جاء النبيون بالآيات ، فانصرمت وجئتنا بحكيمٍ غيرِ مُنصَرم
آياتُه كلّما طالَ المدَى جُدُدٌ يزينُهنّ جلالُ العِتق والقِدم
يكاد في لفظة منه مشرَّفةٍ يوصيك بالحق ، والتقوى وبالرحم
يا أفصحَ الناطقين الضادَ قاطبةً حديثُك الشّهدُ عند الذائقِ الفهِم
حلَّيتَ من عطلٍ جيدَ البيانِ به في كلِّ مُنتَثِر في حسن مُنتظِمِ
بكلِّ قولٍ كريمٍ أنت قائلُه تُحيي القلوبَ، وتحْيي ميِّتَ الهِمم
سَرَتْ بشائِرُ بالهادي ومولِده في الشرق والغرب مَسْرى النور في الظلم
تخطَّفتْ مُهَجَ الطاغين من عربٍ وطيَّرت أنفُسَ الباغين من عجم
ريعت لها شُرَفُ الإيوان، فانصدعت من صدمة الحق، لا من صدمة القُدم
أتيتَ والناسُ فَوضَى لا تمرُّ بهم إلا على صَنم ، قد هام في صنم
والأرض مملوءةٌ جوراً ، مُسَّخَرَةٌ لكلّ طاغيةٍ في الخلق مُحتكِم
مُسَيْطِرُ الفرسِ يبغي في رعيّتِه وقيصر الروم من كبرٍ أصمُّ عَمِ
يُعذِّبان عبادَ اللهِ في شُبهٍ ويذبحان كما ضحَّيتَ بالغَنَم
والخلقُ يَفْتِك أقواهم بأضعفِهم كاللَّيث بالبهم، أو كالحوتِ بالبَلَم
أسرَى بك اللهُ ليلاً ، إذ ملائكُه والرُّسْاُ في المسجد الأقصى على قدَم
لما خطرتَ به التفُّوا بسيّدِهم كالشُّهءبِ بالبدرِ ، أو كالجُند بالعَلم
صلي وراءك منهم كلُّ ذي خطرٍ ومن يفُز بحبيبِ الله يأْتمم
جُبتَ السمواتِ أو ما فوقهم بهم على منوّرةٍ دُرِّيَةِ اللُّجُم
ركوبة لك من عزٍّ ومن شرفٍ لا في الجيادِ ، ولا في الأيْنُق الرسُم
مَشيئةُ الخالق الباري ، وصنعتهُ وقدرةُ الله فوق الشك والتُّهَم
حتى بلغت سماءً لا يُطارُ لها على جناحٍ ، ولا يسعى على قَدم
وقيل: كلُّ نبيٍّ عند رتبتهِ ويا محمدُ ، هذا العرشُ فاستلم
خطَطت للدين والدنيا علومهما يا قارئ اللوح ، بل يا لامِسَ القَلمْ
أحطْتَ بينهما بالسرِّ ، وانكشفتْ لك الخزائنُ من عِلم، ومن حِكم
وضاعَفَ القُربُ ما قُلِّدْتَ من مِنَنٍ بلا عدادٍ، وما طُوِّقتَ من نعم