فهرس الكتاب

الصفحة 2624 من 3657

فنظرية الإسناد هي من أهم نظريات النقد عند المحدثين وسنطيل النفس في تنظير هذه القضية ولم شتات ما قيل فيها إن شاء الله تعالى.

ونبدأ بتأريخ الإسناد وتأصيله شرعا ثم نعرج بتأريخ نهاية تطبيق الإسناد كآلية لنقل ورواية الأحاديث.

البداية والنهاية

نشأة الإسناد

حول تاريخ نشأة الإسناد تبرز نظريتان شهيرتان في الأوساط العلمية، سأحاول عرضهما ثم مناقشتهما وترجيح ما تقتضيه الوثائق والنصوص المعتمدة.

النظرية الأولى: الاختلاق

مضمون هذه النظرية أن أكبر جزء من الأسانيد في كتب الحديث اعتباطي وأن الأسانيد بدأت بشكل بدائي ووصلت إلى كمالها في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري… وأن الأسانيد كانت تلصق بأدنى اعتناء. [1]

وتَزَعَّم هذه النظرية وروج لها فذاعت في أوساط المستشرقين بل في الوسط العلمي العربي بأسره المستشرقُ"شاخت"حيث زعم أنه درس أسانيد كتب السيرة والفقه وتوصل من خلال دراساته إلى نظرية سماها"القذف الخلفي"أو: Projecting Bac وأن هذه النظرية هي التي أدته إلى اكتشاف تاريخ اختلاق الإسناد.

وقد امتدح المشرقون نظرية"شاخت"، ووصفوها بأنها إسهام قيم جدا لدراسة التطورات في الأحاديث النبوية ، لأن هذا المنهج لا يعطينا فقط التاريخ الذي نسب فيه حديث ما إلى النبي صلى الله عليه وسلم ،بل يعطي المدلول الدقيق لتلك الأسانيد ،وهو أن الجزء السفلي من الأسانيد صحيح بينما الجزء العلوي الموصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم خيالي وزائف. [2]

ولم تكن دراسات"شاخت"هي الوحيدة في إطار جهود المستشرقين، فقد ابتدأت هذه الجهود في القرن الثامن عشر، حيث برز"الأمير كايتاني"توفي سنة 1926 و"ميور"توفي 1905 و"شبرنجرا"توفي1893، واهتم الثلاثة بتاريخ السنة، واعتقدوا نظرية الشك في صحة الأحاديث ،وسعوا للكشف عما أسموه المادة الأصلية للحديث.

ثم تولى كِبْرَ هذه النظرية مِنْ بعدهم اليهودي المجري"جولدزيهر"الذي استعان بمنهج النقد التاريخي الأوروبي في دراسة الحديث ، حيث توصل إلى فكرة تطور الأسانيد والمتون في الفكر الإسلامي، ويرى أن وضع الحديث بدأ في جيل الصحابة المبكر وإن كان يثبت وجود مادة أصلية كما ذهب كايتاني وشبرنجر وميور.

ولقد صارت دراسات"جولدزيهر"دستورا للمستشرقين من بعده، وقليل ما هم الذين انتقدوها، أما الأكثرية الساحقة فاكتفوا بتعميق آرائه بإضافة براهين جديدة، فكان منهم"فنسنك"الذي ركز على أحاديث العقيدة، و"جوزيف شاخت"الذي ركز على أحاديث الأحكام. [3]

وسنعرض لنموذج واحد من دراسات أولئك المستشرقين ونتناولها بالمناقشة لنعرف قيمتها العلمية، وسنركز على فكرة الاختلاق المتمثل في نظرية القذف الخلفي عند"شاخت"باعتبارها من أقوى الاتجاهات التي سادت أوساط المستشرقين بل وبعض الباحثين المسلمين في العصر الحاضر.

نظرية القذف الخلفي:

خلاصة نظرية القذف الخلفي عند"شاخت"أنه يفترض وجود راو واحد في سلسلة الإسناد هو محوره، وهو واضع الإسناد من الجزء العلوي والحديث أيضا، وأما من فوق هذا المحور فلا وجود له في الواقع ،وإنما هو من اختلاق هذا الراوي المحور، واستند إلى هذه الفرضية بناء على دراسة لإسناد واحد في كتاب"اختلاف الحديث للشافعي"نلاحظ أن ذلك الحديث ورد بالأسانيد الآتية

فقد لاحظ شاخت أن عمرو بن أبي عمرو هو الراوي المشترك في الأسانيد كافة وانه من الصعوبة بمكان أن يكون عمرو قد تردد بين مولاه وبين رجل مجهول (من بني سلمة) ليكون سنده المباشر. [4]

ولقد ناقش الأستاذ الأعظمي"نظرية شاخت"بأسلوب علمي راق وأثبت ما يلي:

أولا: أن"شاخت"جاء بمثال واحد فقط لإثبات نظريته مع ادعائه تعميم هذه الظاهرة في الأحاديث، وهو مخالف لمنهج الاستقراء العلمي.

ثانيا: أن هذا النموذج الذي بني عليه"شاخت"دراساته أو نظريته عليه مآخذ منها:

1-أن"شاخت"أخطأ في تشجير الإسناد، وكان حريا أن يجعل شيوخ عمرو اثنان لا ثلاثة وتكون شجرة الإسناد هكذا:

وإنما عمد شاخت إلى تكثير شيوخ عمرو لإحداث تأثير كاذب ليثبت نظرية القذف الخلفي.

2-أن"شاخت"لم يمعن النظر في نصوص الشافعي في كتاب:"اختلاف الحديث"أو لم يفهمها، فقد أراد الشافعي من سوق تلك الأسانيد والمقارنة بينها إثبات أن تلاميذ عمرو رووا الحديث عن شيخ واحد فقط وهو عمرو نفسه، ولكن الذي سمى شيخ عمرو أنه رجل من بني سلمة إنما هو طريق عبد العزيز، وأما إبراهيم وسليمان فطريقهما سمى شيخ عمرو أنه المطلب واعتبر الشافعي إبراهيم -وهو ابن أبي يحي- أقوى في الحفظ من عبد العزيز وتابعه على ذلك سليمان وأن الرواية عبد العزيز خطأ.

ومن هنا يتضح -كما يرى الأستاذ الأعظمي- أن هناك إسنادا واحدا وعن طريقه روى عمرو بن أبي عمرو هذا الحديث عن المطلب وعلى هذا ينبغي أن تكون شجرة الإسناد هكذا: [5]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت