يقول الأستاذ الأعظمي: لذلك.. فكل ما قاله شاخت وما بنى عليه من البيانات والادعاءات ذهب سدى.. ثم يقول:"وبعد.. فإن سلمنا ادعاء شاخت بأن عمرو بن أبي عمرو ادعى أنه روى هذا الحديث عن عدة أشخاص وهو الراوي الوحيد عن هؤلاء جميعا، فهذه حادثة فردية، ولا يبدو إطلاقا أن شاخت بذل وقتا كافيا في بحث أسانيد أكثر الأحاديث، الأمر اللازم لتكوين نظرية من هذا النوع فضلا عن دراسة لظاهرة أسانيد الأحاديث الفقهية كافة، وإلا فتكوين نظرية وإعطاؤها صبغة الوقوع الغالبي والاعتيادي بناء على هذه الدراسة الضئيلة الهزيلة ليس ذا قيمة في مجال البحث العلمي.."ثم يقول:"هذا النوع من الأسلوب اللاعلمي في البحث يثبت في الواقع جنوح شاخت إلى الهوى بدلا من البحث العلمي النزيه" [6] .
والواقع أن المستشرقين كافة صدروا عن جهل محقق بنظام الإسناد وروحه واعتمدوا على دراسات خاطئة في المنهج العلمي والاستقراء مع ضميمة العجمة في اللغة مما أوقعهم في كثير من الاستنتاجات المتناقضة [7] .
والواقع أن هناك أسبابا كثيرة تبطل نظرية الاختلاق وتثبت أن الأسانيد نشأت نشأة طبيعية في الوسط العلمي الإسلامي وباستلهام لفكرة الإسناد من روح النصوص الشرعية نفسها التي حثت على تبني هذه الطريقة في حفظ النقول وتبليغها.
ومن الأسباب التي تبطل نظرية الاختلاق:
1-كثرة الأسانيد. فطرق الأحاديث تبلغ مئات الألوف إن لم يكن أكثر، ولو اعتبرنا عملية حسابية في الإسناد مبنية على التضاعف العددي للرواة لمدة ثلاثة أجيال رووا حديثا واحدا لعلمنا ضخامة العدد. وهذه الكثرة قرينة قوية على استحالة الاختلاق إذ يبعد أن يكون الانتحال صفة مشتركة بين آلاف الرواة في كل جيل ثم لا يأتي ما يفيد هذا التواطؤ الواضح.
2-تشابه الكثير من المتون مع أن أسانيدها مختلفة ورواتها متباعدون إقليميا. فتجد الكثير من الأحاديث التي تشترك في لفظ واحد مع أن مخارجها عن صحابة مختلفين متفرقين في الأمصار والذين رووا عنهم أيضا من أماكن متفرقة بعيدة عن بعضها، والقول بالاختلاق يعني ضرورة عقد مؤتمر دائم يضم الرواة من الشام ومصر والعراق والحجاز وخراسان وغيرها، وهذا مع أنه لم ينقل حدوثه فهو مستحيل يعرفه كل من طالع التاريخ الإسلامي.
3-أخلاقيات الرواة التي اشتهرت وذاعت، ومآثرهم الذي لم يجحدها جاحد، تمنع من اتهامهم باختلاق الأحاديث، والمستشرقون يعلمون أن الرواية العربية تحفظ المثالب كما تحفظ المناقب، وإذا كانت فرية افتراءها أعرابي على حضري أو سرقة ارتكبها شاعر في قصيدة عن غير قصد، تنقل بين الرواة حتى تبلغ الآفاق، أفلا يكون اختلاق آلاف الأسانيد حدثا جديرا بنقله عن أولئك الرواة المختلقين.
4-روح ونظام الإسناد، وأخلاقية منهج الرواية والنقد عند المحدثين - والتي سيأتي بيانها - تحيل حدوث اختلاق مقصود ثم تداوله على أنه صحيح معتمد.
النظرية الثانية:تطور الإسناد
تعني هذه النظرية أن آلية الإسناد أو نظامه لم يأخذ الهيئة الكاملة ولم يعتمد بصورته التامة إلا عبر مراحل زمنية متعاقبة.
لكن ينبغي التنبيه إلى نقطة مهمة متعلقة بفكرة تطور الإسناد، وهو أن بعض المستشرقين قالوا بهذه النظرية، لكنهم اعتبروا تطور الإسناد بمعنى اختلاقه أيضا وانتحاله عبر بعض الرواة، وقد استخدموا كلمة التطور لإثبات نظرية الاختلاق التي تكلمنا عنها، [8] أما التطور الذي نعنيه هنا فالمراد به مرور الإسناد بمراحل زمنية تفاوت فيها اهتمام النقلة والرواة في الالتزام بالهيئة الكاملة للإسناد.
وتعتمد هذه النظرية على أثر لمحمد بن سيرين يقول فيه:"لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم". [9]
وواضح من الرواية أن محمد بن سيرين - وهو تابعي معروف توفي 110هـ - انه أرخ بداية الاهتمام بالإسناد عند وقوع الفتنة.
ونلفت الانتباه إلى أن هذا الأثر إنما أرخ لبداية الاهتمام بالإسناد، ولبداية الجرح والتعديل، حيث ورد في الإشارة إلى السؤال عن أحوال الرجال.
كما أن الأثر واضح في أن الإسناد كان موجودا قبل هذه المرحلة، وغاية ما حدث هو بداية الاهتمام به والسؤال والتفتيش عنه.وسنحاول التعرف على تاريخ الفتنة التي ابتدأ اهتمام الإسناد عندها عند الكلام عن نظرية الجرح والتعديل لكننا نشير إشارة بسيطة إلى استنتاجات بعض الباحثين ونرجئ مناقشتها إلى الموضع المذكور .
لقد ذهب الأستاذ أكرم العمري أن المراد بالفتنة المذكورة في أثر ابن سيرين هو زمن مقتل عثمان حيث ظهر الوضع وبرزت الانشقاقات عن الجماعة، ويفسر أثر محمد بن سيرين السابق بأثر آخرله استعمل فيه كلمة الفتنة، وهي قوله: « ثارت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف لم يخف منهم أربعون رجلا [10] .