فهرس الكتاب

الصفحة 2626 من 3657

ويعتمد الأستاذ محمد الأعظمي على نفس أثر ابن سيرين في الفتنة ويجزم بأن المراد بها فتنة علي بن أبي طالب ومعاوية [11] .

لكن الأستاذ الأعظمي ينبه إلى ما أ شرنا إليه في بداية المبحث وهو أن كلام ابن سيرين يفهم منه"أن استعمال الأسانيد كان موجودا ومعروفا كل ما هنالك أن الناس ما كانوا يدققون فيستفسرون وكان الأمر متروكا للراوي نفسه إذا أراد أن يبين شيخه أولا" [12] .

لكننا نرى أن في كلام لأستاذ الأعظم توسعا ، لأن معنى عدم التدقيق و الاستفسار وأن ذكر الشيخ كان متروكا للراوي .. معنى ذلك عدم وجود حقيقة الإسناد فيكون كلامه متناقضا حيث أنه أثبت في بداية العبارة وجود الأسانيد واستعمالها وشهرتها .

و الأولى أن يقال في تفسير أثر ابن سيرين إن الأسانيد كانت موجودة ومستعملة لأنها كانت منبعثة من روح الشريعة كما سنعرف ، لكن الالتزام بالهيئة الكاملة للإسناد والتفتيش عن الدجال وتلمس احتمالات الكذب لم يكن ملتزما في الصدر الأول لتعاملهم في مسألة نقل الشرع على البراءة ، إذ لم يتفش الكذب ، بل يكن يتصور أحد أن يكذب أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدل على ذلك أثر أنس ابن مالك حيث يقول:"ليس كل ما نحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعناه منه ولكن حدثنا أصحابنا ونحن قوم لا يكذب بعضهم بعضا" [13] . وقال البراء بن عازب:"ما كل الحديث سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يحدثنا أصحابنا عنه ،كانت تشغلنا عنه رعية الإبل" [14] وفي رواية:"ولكن الناس لم يكونوا يكذبون يومئذ فيحدث الشاهد الغائب" [15] .

أصل الإسناد .التأصيل الشرعي

لقد وجدت نصوص كثيرة تثبت أن الإسناد لم يكن إلا تطبيقا طبيعيا لما دلت عليه تلك النصوص وأرشدت إليه .

فمبدأ إحالة القول إلى قائله عن طريق الرواة والنقلة - وهو روح الإسناد - موجود في أصل أدلة الشرع.

فالآيات تصرح بان جبريل كان هو الواسطة في الوحي بين الله تعالى وبين النبي صلى الله عليه وسلم، يقول تعالى: ( نزل به الروح الأمين على قلبك..)

وقال تعالى: ( إن هو إلا وحي يوحى . علمه شديد القوى. ذو مرة …) وهو جبريل عليه السلام . وقال الله تعالى: ( وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم) .

ولعلنا بهذا التخريج نفهم سر بدء البخاري أبواب صحيحه بباب بدء الوحي، حيث أورد فيه حديث هيآت الوحي التي كان يأتي بها جبريل عليه السلام. فالسر والله أعلم أن بيان السنة من الوحي [16] ،وأن الوحي يتلقى بالإسناد و النقل عن الثقة الأمين وهو في الحديث جبريل عليه السلام، فكأنه إشارة إلى تأصيل مبدأ الإسناد من إرشاد الشرع إلى اعتماده طريقة في نقل الوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأولى بالمكلفين أن يعتبروه وسيلة في تداوله بينهم على نفس الجادة والطريقة.

وقد وردت أحاديث أخرى تفيد الإشارة إلى استعمال الإسناد في تبليغ الوحي ونقل النصوص. فعن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"نضر الله عبدا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأدّاها، فَرُبَّ حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" [17] .

ويروى أيضا عن زيد بن ثابت [18] وجبير بن مطعم [19] .

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"تسمعون ويسمع منكم، ويسمع ممن يسمع منكم" [20] ، ويروى عن ثابت بن قيس أيضا [21] .

ومما يدل على أن مبدأ الإسناد كان شائعا حديث ضمام بن ثعلبة، وهو أعرابي كان في البادية، جاءه رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرض عليه الإسلام، فجاء ضمام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"يا محمد أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك، قال: صدق..قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا . قال: صدق…" [22] .

وفي صحيح مسلم عن فاطمة بنت قيس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قعد على المنبر فقال:"أيها الناس: حدثني تميم الداري أن أناسا من قومه كانوا في البحر .."الخ حديث الجساسة المشهور [23] .والشاهد في إسناده صلى الله عليه وسلم القصة إلى قائلها ، وذُكِر هذا الحديث مثالا لرواية الأكابر عن الأصاغر.ومن تطبيقات ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقن القرآن لأصحابه كما تلقاه من جبريل عليه السلام ، وكان يحفظ عنه الصحابة ويكتبون ، وعندما جمع القرآن في عهد أبي بكر وعثمان رضي الله عنهما اعتمد زيد بن ثابت في نقد مصادر الآيات القرآنية فكان يعتمد على ما وجد مكتوبا ومحفوظا معا ويشترط توافر اثنين يحفظان القراءة التي يراد إثباتها في المصحف الإمام [24] . فكان هذا التوجيه النبوي والتطبيق العملي من الصحابة من أسس نظرية الإسناد ، إذ استوحى المحدثون منه فكرة صحة النص بناء على توافر شرط النقل المتصل عن العدول الضابطين، وغدا بمثابة الأصل العام الذي استحضره منهج النقد عند المحدثين في كل طور من أطواره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت